مناسبات:
مناسبات:
المرجعية:
قوله تعالى: ** رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا **
الموضوعات:
- 26666 views
اصطفاء النبوة وذكرى مولده، صلى الله عليه وسلم.
اصطفاء النبوة وذكرى مولده، صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، فضله الهدى والتوفيق وبه نستعين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، محمد ابن عبد الله، صلوات الله عليه وسلامه. كل عام وأنتم وأمة الإسلام في خير وسلام، وقاها الله شرور الحاقدين والطامعين، هو نعم المولى ونعم النصير ونعم السميع المجيب.
في مناسبة ذكرى المصطفي، صلى الله عليه وسلم، يحسن أن نتدارس العبر والدروس في بعثة النبي الأمي وخاتم النبيين، التدارس الذي استهللنا به باب "مناسبات" على المدونة القديمة بمقالة "وطلع البدر علينا بنور الحق"، ثم "محمد عليه الصلاة والسلام في عيون الغرب"، وفي العام الماضي نظرنا في مسألة تلقى الوحى مع شدة وطأته في مقالة "وطلع البدر علينا وتصدع الجبل"، أمَّلنا فيها بإذنه تعالى أن نستكمل التدارس في المناسبة التالية وندلف إلى مسألة اصطفاء النبوة، وفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.
الاصطفاء الرباني مسألة مترامية الأطراف متشابكة العوامل، لا يستجليها مقال واحد باعتبار أدلتها النقلية، قرآنا وحديثا. لكن يمكن ابتداءاً إجمال عناصرها من قوله الخلاق العليم:
* إِنَّ اللَّهَ اصْطَفي آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ, ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (آل عمران: 33)
في مقام سابق بينا ثنائية الفرد والمجتمع فيها، تثنية الاصطفاء إفرادا مع آدم ونوح، عليهما السلام، وجمعا مع آل إبراهيم وآل عمران، ثم التثنية في الإفراد والجمع كليهما، ثلاث ثنائيات فالمنهاج ومثانيه. كما بينا أن فيها متشابه بدليل عقلي أن الاصطفاء لا ينطبق على آدم عليه السلام، حيث الاصطفاء اختيار، ولم يكن من اختيار معه أبا للبشرية، عليه السلام. الآية من المتشابهات من وجه آخر وهو التكرار في التبعيض، وهي متشابهة من جهة ثالثة بتداخل الذريات وتسلسلها، فالمعلوم أنها كلها من ذرية آدم، عليه السلام، قوله: "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"، إنما خصص سبحانه لتبيان الثنائية، ولا نرى في علمنا سببا آخر إلا أن يكون تسلسل الذرية من أنباء الغيب، جائز على الظاهر. هناك وجهان في التأويل، الأول أن الاصطفاء مع كل الأنبياء والرسل في إجماله ينبني على هذه الثنائية. الثاني أنها مشتملة في رسالة النبوة مع كل منهم، ضمن منهاج الله الذي كلفهم، عليهم الصلاة والسلام، التبليغ به مع شريعته سواء بسواء، قوله تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا". (بيانه والمثاني في كتاب "إشراق المنهاج"، ومقتضبا في "تساؤلات المنهاج" على هذه المدونة).
أما التعقيب في قوله: "وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" فيه بابان للتأويل، فالسمع مقصود به النقل فالاعتقاد، أن الاصطفاء في الدين، ما قال به بعض المفسرين من أن الله اصطفي لهم دين الإسلام، من باب الاعتقاد. الباب الثاني العلم، النظرة العلمية والبحث في الاصطفاء والذرية، مفتوح الاجتهاد فيه بأي صنف من العلوم يتسق مع مطلب التفصيل في العلم في القرآن، منه هذا المبحث بعون الله. ولو أنك ثنيت السمع على العلم، بعلم أن أسماء الله الحسنى في الذكر الحكيم جاءت على التثنية من أول الرحمن الرحيم، وصلت إلى مطلب خاتمية الرسالة المحمدية من أنها تبث الدلائل العلمية على الوحدانية والنبوة بلا انقطاع، منذ زمن الوحي وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما نحن بصدده بتوفيق الله وهداه.
الوجه الثاني على متشابه المثانى ليس مقامه، أما الأول يفهم منه أن الاصطفاء ينبني على عاملين، أولهما عامل الفرد كمنبت وكفاءته في حمل الرسالة والتبليغ، ضمنه رعاية الله للمصطفي – أى منهم عليهم الصلاة والسلام - وإلى أن يبعثه الله نبيا أو رسولا. ثانيهما عامل المجتمع وخصائصه التي تكتنف أسباب الاصطفاء مثل فسق القوم أو كفرهم أو ظلمهم، ثم خصائصه من حيث تعامل وتفاعل المصطفي معه، قبل وبعد البعثة، تأثرا وتأثيرا. بل يمكن النظر أيضا في تأثير المجتمع على نشأة المصطفي بما هيأه للاصطفاء ضمن عامل الفرد، المسألة التي تطاحن عليها الفكر البشرى منذ النشأة، ومازال. ستجد بعون الله في النقل دلائل على كل هذه المكونات للاصطفاء.
دليل ثان على أن الاصطفاء ينبى على هذه الثنائية، قوله العزيز العليم:
* وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * (آل عمران: 42)
الاصطفاء الأول على الإفراد بالمنادى، منه رعاية الله لها متضمنة أن طهرها قبل أن تحمل الرسالة الربانية. أما الثاني على الجمع بنسبة نساء العالمين، المكونات المجتمعية من حيث تفاعلها مع البيئة حولها، قبل وبعد التكليف، مثل أن أحصنت فرجها قِبَل المجتمع وقَبْل التكليف، ثم انتباذها من أهلها مكانا قصيا ونزوعها إلى جذع النخلة، في تنافر مع المجتمع، مما ورد في القصة في سورة مريم.
منه أن عاملي الفرد والمجتمع تتفرع عليهما مكونات عدة. كل مكون من هذه المكونات يستأهل بحثا بمفرده. عامة الكتاب يخلطون بينها دون منهجية واضحة. من المهم أيضا أن نرتب أسبقية كل مكون فرعى، مثل أن يكون النسب للأب له في الأهمية الأسبقية على النسب للأم في البحث والتأسيس. ويسبق مكون الذرية مكون الأخلاق أو العصمة، وهكذا. المدخل الطبيعي لها مجتمعة هو عامل الفرد من حيث مكون الذرية الصالحة، المكون الذي أشير إليه في الآية الكريمة، قوله تعالى: "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"، باب الاصطفاء الأول، ما جرت عليه "سيرة إبن هشام".
عن نسبه صلى الله عليه وسلم: < حدثنا محمد بن مهران الرازي ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم جميعا، عن الوليد قال ابن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيعن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله اصطفي كنانة من ولد إسمعيل واصطفي قريشا من كنانة واصطفي من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ". (البخارى 2276)>
في "سيرة ابن هشام" ورد ذكر سرد النسب الزكي: < من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى آدم عليه السلام قال أبو محمد عبد الملك بن هشام ( النحوي ) :
هذا كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، واسم عبد المطلب : شيبة بن هاشم واسم هاشم : عمرو بن عبد مناف واسم عبد مناف : المغيرة بن قصي ، ( واسم قصي : زيد ) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر - ص 2 - بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ، واسم مدركة : عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن ( أد ، ويقال ) : أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم - خليل الرحمن - بن تارح ، وهو آزر بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ - ص 3 - بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس النبي فيما يزعمون والله أعلم ، وكان أول بني آدم أعطى النبوة ، وخط بالقلم - ابن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم .>
فثبت لنبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم، المكون الأول للاصطفاء، النسب الطاهر إلى ذرية الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى إسماعيل، عليهم السلام، فكنانة وقريش وبنى هاشم. كأن في الذرية الجينات الوراثية تخط النبوة بإذنه تعالى جلت قدرته حيث يقول:
* هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * (آل عمران: 6)
ويقول:
* يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ * (الحج: 5)
المكون الفردي الثاني، الإنبات والتنشئة، ومن حيث أن هنا اصطفاء على أساس الذرية، فقد بدأ الاصطفاء مع الميلاد يختص بعلمه تعالى. ومتى كان الاصطفاء تبدأ رعاية الله للمصطفي حيث العلامة الظاهرة على مبتدي الاصطفاء، إلى أن يبلغ أشده نسبة للتكليف بالرسالة، ثم تكون البعثة وحمل التكليف والتبليغ. الدلائل هنا متكاثرة مع كثير من الأنبياء، فمع البتول مريم ابنة عمران قال الحكيم القادر:
* فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ ۖإِنَّ اللَّـهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * (آل عمران: 36 – 7)
فثبت أيضا المكون الفردي الثالث، أن مبتدي الاصطفاء هو مبتدي الرعاية الإلهية، قوله: "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ"، فرعاية الله في قوله: "وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا"، ثم "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا". مثل ذلك مع يوسف، عليه السلام، وقوله علام الغيوب:
* وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّـهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * (يوسف: 23)
ارتبط العامل الفردي هنا بعامل مجتمعي وهو العصمة الأخلاقية، فترتب الأخير على الأول، وكانت أهمية الأول كمدخل للاصطفاء. في طالوت ومتطلبات الاصطفاء قال الواسع العليم:
* وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّـهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّـهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * (البقرة: 247)
ضمن الرعاية الإلهية مع الاصطفاء زاده الله في العلم والجسم حتى يتبوأ المكانة المجتمعية المتوائمة مع التكليف. مع موسى، عليه السلام، بدأت الرعاية الإلهية من مهد الطفولة، قوله الرؤوف الرحيم:
* وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * (القصص: 7)
ثم قوله:
* وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * (القصص: 10 - 14).
مع عيسى بن مريم، عليه السلام، فالأمر جد مختلف، حيث بدأ اصطفاؤه في مشيئته جل وعلا، وكان اصطفاؤه يتطلب اصطفاءاً آخر، الأم مريم ابنت عمران، الوجه الآخر في تأويل قوله الخلاق العليم:
* وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * (آل عمران: 42)
اصطفاءان في آن واحد، اصطفاء النبي، عليه السلام، تطلب اصطفاء الأم كي تحمله في تكليف رباني. اصطفاء داخل في اصطفاء. لذلك قال العلى القدير:
* وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * (المؤمنون: 50)
جعلهما سويا آية فالاصطفاءان في آن واحد. متى اصطفاه ليكون آية للناس على قدرته تعالى في الخلق، اصطفي معه الرحم التي تتجاوب مع الروح القدس لإنجاب المصطفي عليه السلام. اصطفاءان في آية واحدة متلازمان لا ينفصلان، لزوم أحدهما من لزوم الآخر. مترتبا على هذا الاصطفاء بدأت الرعاية الإلهية لاصطفاء النبوة مع رعاية الله لها، فكان المبتدي الحقيقي لرعاية نبي النصرانية عندما قال تعالى: "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا".
يستطرد جل شأنه في الرعاية والشمائل بالخلق:
* إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ * (آل عمران: 45 – 9)
وضع في عيسى ابن مريم، عليه السلام، شمائله مع الاصطفاء، غرسها في الجينات الوراثية، حتى يمكن القول أن لم يكن للعامل المجتمعي كبير تأثير على اكتسابه لشمائل المصطفي، فهي مقررة سلفا بالميلاد. مسألة محل جدال واسع ليس مقامه. فكانت الكلمة المبشرة بها البتول مريم هي هذا الجين الوراثي الذي يحمل الشمائل وخصائص النبوة سلفا بلا اكتساب، بقدرته الخلاق العليم. من هذه الزاوية فهو إعجاز إلهي آخر منفصل عن كونه عليه السلام وأمه آية واحدة. ما يجعل اصطفاء عيسى بن مريم اصطفاء يتميز عن الخصائص المعتادة للاصطفاء، مفاد قوله العليم الحكيم:
* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّـهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ * (البقرة: 253)
المعنى كما بيناه في المقالة السابقة "طلع البدر وتصدع الجبل" أن الفروق بين الأنبياء والرسل ليست في فحوى الرسالة، التي هي على التوحيد معهم جميعا، إنما الفروق تكون في شمائل اصطفاء النبوة. رفع تعالى بعضهم على بعض درجات في تلك الشمائل لتتواءم مع أحوال الناس ومسببات الاصطفاء المجتمعية، مثلما زاد طالوت بسطة في العلم والجسم. خص عيسى ابن مريم بالذكر لأنه لا يخضع لهذا المنحى المجتمعي في الشمائل والفروق فيها بين المصطفين الأخيار، الذين قال فيهم رب العزة كأمثلة:
* وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ* وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ* هَـٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * (ص: 45 – 9)
مع هؤلاء المصطفين الأخيار، عليهم الصلاة والسلام، شمائل اصطفاء النبوة تختلف من أحدهم إلى الآخر. الأمر المهم هنا ذكره تعالى للاختيار صفة للاصطفاء. فقاعدة الاصطفاء الاختيار من متعدد، ما لا ينطبق على آدم وعيسى، عليهما السلام، ذكرناه في صدر المقالة. فكانت شمائل عيسى بن مريم محددة مقررة مسبقا لا تنبني على الاختيار المجتمعي، قوله القاهر فوق عباده:
* إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * (آل عمران: 59)
وجه آخر للتأويل غير الذي تناولناه من قبل، أن ليس هناك مكونات اصطفاء مجتمعية معهما آدم وعيسى، عليهما السلام، إلا مسببات الشمائل لا الشمائل نفسها. مع التكليف والبعثة تكون قد بلغت الرعاية الإلهية أجلها واكتملت شمائل الاصطفاء. أما الرعاية بعد البعثة فلها مقام آخر بإذنه تعالى. والله أعلم.
مع خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، قال الرؤوف الرحيم:
* وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ * (المائدة: 67)
جاءت الرعاية الإلهية بالعصمة إزاء الناس بعد أن تقرر الاصطفاء. مع الإنبات والتنشئة والرعاية الإلهية اكتسب الكثير من صفات وشمائل المصطفي الشخصية حيث قال فيه المولى جل وعلا:
* وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * (القلم: 4)
ستجد الكثير مثل ذلك، يبارك الله في شمائل المصطفي الشخصية ويمدح بمعزل عن الرعاية الإلهية، تلك التي اكتسبها مع التنشئة والتربية، كقوله جل شأنه في إبراهيم، عليه السلام:
* إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّـهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * (النحل: 120)
وقوله في إسماعيل، عليه السلام:
* وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚإِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * (مريم: 54)
مع محمد، عليه الصلاة والسلام، رتب سبحانه الأسباب بدءاً من العامل الفردي إلى حمل الرسالة، فقال:
* وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * (النجم: 1 – 4)
شهد له الخلاق العليم ونفي عنه الضلال والغي، من شمائل المصطفي ومكون من مكونات العامل الفردي، وبعد الإنبات والتنشئة ورعاية الله عاد لا ينطق عن الهوى، إنما ينطق بالحق وحمل الرسالة الربانية. كأن الآية الكريمة تستدعى الاصطفاء من مبتداه إلى منتهاه. أن فيه صلى الله عليه وسلم شمائل الاصطفاء التي اكتسبها من الذرية الصالحة ومع الإنبات والتنشئة ثم رعاية الرحمن الرحيم، فحمله تعالى الرسالة الخاتمة عندما بلغ أشده في تكليف النبوة، وأجمل مسببات الاصطفاء في قوله الحكيم العليم:
* وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ * (آل عمران: 144)
ليس له مثيل من قبله في إجمال شمائل الاصطفاء، المكونات الفردية والمجتمعية، ولا من بعده فهو خاتم النبيين، صلوات الله عليه وسلامه إلى يوم يبعثون. والله أعلم.
مما سطره فيلسوف الشعراء وأميرها أحمد شوقي عن شمائل نبي الإسلام، عليه الصلاة والسلام، في قصيدته "ولد الهدى":
ولد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسم وسناء
الروح والملأ الملائك حوله *** للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي *** والمنتهي والسدرة العصماء
--------------
يامن له الأخلاق ما تهوى العلا *** منها وما يتعشق الكبراء
زانتك في الخلق العظيم شمائل *** يغرى بهن ويولع الكرماء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى *** وفعلت ما لا تفعل الأنواء
--------------
وإذا عفوت فقادرا ومقدرا *** لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب *** هذان في الدنيا هما الرحماء
وإذا خطبت فللمنابر هزة *** تعرو الندى وللقلب بكاء
--------------
وإذا أخذت العهد أو أعطيته *** فجميع عهدك ذمة ووفاء
يا من له عز الشفاعة وحده *** وهو المنزه ماله شفعاء
لى في مديحك يا رسول عرائس *** تيمن فيك وشاقهن جلاء
إلى هنا فقد تناولنا باقتضاب ثلاث مكونات من العامل الفردي، الذرية ثم الإنبات والتنشئة فالرعاية الإلهية، تحتاج إلى تحقيق أكثر. الإمام فخر الدين الرازي، رحمه الله، بنظره المتفرد في تفسيره "مفاتيح الغيب"، قارب معنا في تناول المسألة من حيث المكونات الفردية:
< المسألة الثانية: {ٱصْطَفي} في اللغة اختار، فمعنى: اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفي وينقى من الكدورة، ويقال على ثلاثة أوجه: صفوة، وصفوة وصفوة، ونظير هذه الآية قوله لموسى:
{ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي } [الأعراف: 144]
وقال في إبراهيم:
{ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلاْخْيَارِ } [ص: 47].
إذا عرفت هذا فنقول. في الآية قولان الأول: المعنى أن الله اصطفي دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني: أن يكون المعنى: إن الله اصطفاهم، أي صفاهم من الصفات الذميمة، وزينهم بالخصال الحميدة، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني: أنه موافق لقوله تعالى:
{ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته }>
أولا: ليس صائبا أن مسببات الاصطفاء هي أن يجعلهم صفوة، قوله: "اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه"، إنما ينقصه تتابع الأسباب، أن مسببات الاصطفاء تبدأ بحمل الرسالة وهو الأصل في الاصطفاء، لا أن يجعلهم صفوة دون هذا الغرض، فتناقصت السببية عنده.
ثانيا: توافق معنا على المنطوق باستبعاد مناط الاصطفاء أن يكون عقيديا، بدءا من قوله: "أن الله اصطفي دين آدم ودين نوح"، إلى قوله: "أنا لا نحتاج إلى إضمار". بينا ارتأينا أن الباب العقيدي ليس في مفردات الاصطفاء في الآية الكريمة وقد استبعد الإضمار لإثباته، إنما ثابت في قوله: "وَاللَّهُ سَمِيعٌ"، وثابت على أصل الاصطفاء غير مثبت في المنطوق، أن الاصطفاء سببه حمل التكليف، وحمل التكليف من العقيدة، كما هو ثابت بالدلائل المنفصلة التي ذكرها مثل قوله تعالى مع موسى، عليه السلام: "إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي"، لا شبهة فيه.
ثالثا: أنه حمل الرعاية الإلهية أسباب الاصطفاء، ثم دلل عليها، بينا نحن نحمل الرعاية على أصل الاصطفاء وهو حمل تكليف الرسالة. فمتى تقرر الاصطفاء تبعته الرعاية الإلهية، التي دلل عليها فيما تلي من أقواله:
< وذكر الحليمي في كتاب «المنهاج» أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مدركة، وإما محركة. أما المدركة: فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها: القوة الباصرة، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: "زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها". والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري " ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [الأنعام: 75] >.
... إلى آخر ما ذكر من دلائل، متفقين معه على تباين الشمائل بين المصطفين الأخيار، صلى الله عليهم وسلم، التي بثها جلت قدرته فيهم من باب الرعاية الإلهية متوائمة مع وبغرض حمل التكليف بكفاءة، الاصطفاء على مسبباته ومترتباته. لم ينظر الرازي ولا غالبية النظار في عوامل ومكونات الاصطفاء بهذا المنهج والتقسيم فيه الذي اتبعناه معولين على معطيات الذكر الحكيم في المنهاج ومثانيه، وبخاصة العامل المجتمعي، أشرنا إليه ونفصل عليه فيما بعد بإذن الرحمن الرحيم. منه التفرقة والتمييز بين مدلول لفظ "منهج" البحث ولفظ "منهاج" الله في تنزيله وقوله: "شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"، فالبون شاسع بينهما، سنفرد له مقاما فيما بعد بإذنه المستعان. والحمد لله رب العالمين، هو الهادي والموفق إلى صراطه المستقيم.
إلى مناسبة أخرى بإذنه تعالى، كل عام وأنتم وأمة الإسلام في خير وسلام، وقاها الله شرور الحاقدين والطامعين، هو نعم المولى ونعم النصير ونعم السميع المجيب.
مسك الختام، كلمات الملك القدوس السلام:
*إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *
عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام إلى يوم يبعثون.
-----------------------------
الإنشاء: [Minhageat.com]
ديسمبر 2015
- 4353 views
الحاج مالك الشباز أو MALCOM X
الحاج مالك الشباز أو MALCOM X
بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ، فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فلا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (البقرة: ١٩٧)

ماذا تعرف عن الحاج مالك الشباز أو مالكولم إكس؟: الموقع.
< هناك في الحج بعدما تعرف مالكوم على الإسلام - وكيف ينادي بالمساواة بين الأعراق، تخلى مالكوم عن اعتقاده بأن البيض شياطين وعقب ذلك أسس منظمة أسماها مؤسسة المسجد الإسلامي وأخرى حملت اسم منظمة اتحاد الأفارقة الأميركيين وأخذ يتجه بأفكاره نحو الاشتراكية محاولاً في هذه المنظمة الأخيرة أن يجد أرضية مشتركة للنضال تضم جميع المناضلين السود. وعلى الرغم من سعيه إلى الابتعاد عن النزاع مع منظمة أمة الإسلام إلا أن خصاما علنيا نشب بين الطرفين فيما بعد، وأمرته المنظمة بإخلاء بيته لأنه ملك لها[2]، فنذر نفسه للدعوة إلى الإسلام الحقيقي وحاول تصحيح مفاهيم جماعة أمة الإسلام الضالة المضلة، فقوبل بالعداء والكراهية منهم وبدءوا بمضايقته وتهديده فلم يأبه لذلك، وظل يسير في خطى واضحة راسخة يدعو إلى الإسلام الصحيح الذي يقضي على جميع أشكال العنصرية.[6] صاغ بعد عودته أفكاراً جديدة تدعو إلى الإسلام الصحيح أو الإسلام اللاعنصري وأخذ يدعو إليه ونادى بأخوة بني الإنسان بغض النظر عن اللون ودعا إلى التعايش بين البيض والسود لذلك هاجموه وحاربوه، وأحجمت الصحف الأمريكية عن نشر أي شيء عن هذا الاتجاه الجديد، واتهموه بتحريض السود على العصيان فقال: «عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة لا تحتاج الجماهير لمن يحرضها وإن عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئاً لتحقيقه»
المنصة التي اغتيل عليها مالكوم إكس، ويظهر في الخلف على الحائط بعض الطلقات التي اخترقت جسده.
بتنامي الخلافات بين مالكوم ومنظمة أمة الإسلام، قامت المنظمة بإعطاء أوامرها بقتل مالكوم إكس، وفي 14 شباط/فبراير 1965 قامت مجموعة بإضرام النيران في بيت مالكوم إلا أن النجاة كتبت له ولعائلته من النيران.[7] وفي الحادي والعشرين من نفس الشهر الموافق 18 شوال1384 هـ صعد مالكوم إلى المنصة في قاعة مؤتمرات في مدينة نيويورك ليلقي محاضرة ويدعو إلى الإسلام، وخلال المحاضرة نشبت مشاجرة مفتعلة في الصف التاسع بين اثنين من الحضور، فالتفت الناس إليهما،[12] وحاول الحراس الشخصيون لمالكوم السيطرة على الوضع، فاقترب رجل من المنصة وأطلق النار على مالكوم وأصابه في صدره وبعدها تقدم رجلان آخران من المنصة وأمطروا مالكوم بوابل من النيران فأردوه قتيلاً.[7] أصيب مالكوم بست عشرة رصاصة في صدره فتدفق الدم بغزارة من جسد هذا الداعية ليلقى مصرعه على الفور. تم القبض على القتلة الذين اتضح بعد ذلك أنهم من رجال منظمة أمة الإسلام ولكنهم أنكروا أن يكونوا قد تلقوا أوامر من إليجا محمد بقتل مالكوم إكس، وقالوا أنهم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم فلم يُدَن إليجا محمد بشيء.[12] كانت وفاة مالكوم إكس نقطة تحول في سير حركة أمة الإسلام حيث تركها الكثيرون والتحقوا بجماعة أهل السنة وعرفوا دينهم الحق، وتغيرت كثير من أفكار جماعة أمة الإسلام خاصة بعد رحيل إليجا محمد وتولية ابنه والاس محمد الذي تسمى بوارث الدين محمد فصحح أفكار الجماعة وغير اسمها إلى "البلاليين" نسبة إلى الصحابي بلال بن رباح، وجعل المسلمين السود الأمريكيين أقرب ما يكونوا إلى تيار الإسلام الوسطي وكان كل ذلك صدى لأفكار ودعوة الداعية مالكوم إكس الذي خر صريعًا للدعوة إلى دين الله.[12] >
المصدر: الويكيبيديا.
اغتيل "الحاج مالك الشباز" بأيدي آثمة بعد أن صحح الحج معتقده في الإسلام وغير من نظرته للعالم من حوله. كما اغتيل "مارتن لوثر كنج"، كليهما كنتيجة لحربهما ضد التفرقة العنصرية. ثم أخيرا وبعد قرون من المعاناة من جراء قسوة البيض وصلفهم، وبعد أن كان السود معول البناء للقوة العظمى بالعبودية، جاء "باراك أوباما" الأسود (الأفروأميركان، لأب إفريقي مسلم وأم أمريكية بيضاء مسيحية) ليسكن البيت الأبيض. حدث تاريخي فى الولايات المتحدة الأمريكية بعد صراع مرير ضد العنصرية وتاريخ أسود للسود. علامة تاريخية بعد الحرب الأهلية وتحرير العبيد وحرب الاستقلال ضد الاستعمار الانجليزي. لا مناص من ذكر البطلين كعنوان له، وكركن ركين فى الإسلام. وليشهد ثلاثتهم بأن بضاعة الإسلام هى تحرير البشر من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، هي السلام بين بنى البشر، شرقا وغربا، بيضا وسودا، لا فرق بينهم كما جاء بحديث خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم: "الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى"، شاهده الحج. وقال خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه: "متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، بما يعنى أن الله قد خلفهم أحرارا، وقد قال الغفور الرحيم:
♣ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ♣ ﴿الحجرات: ١١﴾
لقد ولدتهم أمهاتهم متساويين أحرارا، يحجون لبيت الله الحرام مكة المكرمة فى مثل هذه الأيام من كل عام (التوقيت الهجري)، حين يشد الحجيج الرحال يأتين من كل فج عميق، شتى بقاع الأرض، متجردين من عتاد الدنيا وزينتها فى زي الإحرام الموحد، يعبدون الواحد الأحد الفرد الصمد، لا شريك له ولا ولد. وليشهدوا بأن وعد الله حق. وأن الساعة لاريب فيها، قوله تعالى:
♠ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ♠ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ♠.
وأن الله غالب على أمره حيث قال:
♠ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ♠
متم لنوره على أرضه وفى سمائه، ولو كره كل من فى الأرض، يتمه على سنة الله ورسله وأنبيائه صلى الله عليهم وسلم.
مسك الختام قول الملك القدوس السلام:
* فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَـٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ *
صدق الله العظيم
-----------------------------
أكتوبر 2015
- 566 views
حجة الفداء فى عيد الأضحى المبارك.
حجة الفداء فى عيد الأضحى المبارك.
بسم الله الرحمن الرحيم:
* وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖسَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * (الصافات 99 - 110)
صدق الله العظيم
في المناسبة عدة مسائل:
الأولى: كي يهديك الله فعليك أن تذهب إليه جل في علاه. وأن تذهب إليه هو أن تكون إليه قريب كما هو أقرب إليك من حبل الوريد، بقلب مفعم بالإيمان والتقوى وبالأعمال الصالحات.
الثانية: عندما تكون إلى الله قريب فليست الجائزة الهدى فقط، إنما الاستجابة للدعاء أيضا. فلما دعا إبراهيم عليه السلام أن يهبه الله الذرية الصالحة أستجيبت دعوته في قوله تعالى: "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ".
الثالثة: الموعظة الأعظم في التربية، أن إبراهيم عليه السلام نبي الله يستشير ابنه فيما يفعله، وإن كان ما سيفعله فى مرتبة الأمر من الله. على الجانب الآخر امتثال الابن لأبيه ولأمر الله، طاعة فى الحق عمياء فى رقبته. هل رأيتم فيما قيل: "إن كبر ابنك خاويه"؟ وقال عز وجل: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ"، تحتمل سن السعي على الرزق, قيل في الروايات أنه كان في حوالي الثانية أو الثالثة عشر من العمر. في الرابعة عشر سن الحلم، وهو الأكثر تماشيا مع معطيات الذكر الحكيم.
الرابعة: هنا مشكل، فلا خلاف على أن الوحى من أمر الله وأمر من الله كليهما، لكن كيف تكون الرؤيا أمر من الله؟ المسألة في التأويل، فى سورة يوسف هناك رؤيا وهناك تأويل لها، إنما المتقدم فى السورة تعليم تأويل الأحاديث. قال العلماء فى ذلك الكثير. شبه الإجماع على أن الرؤيا فى القرآن الكريم ليست من المحكم ويلزم لها التأويل. على الأرجح كان هذا أساس الفداء، فلم تكن الرؤيا على الحقيقة أمرا أو نهيا في الشريعة وأمرا من الله، وإن كانت من أمر الله وحجته البالغة. دليل ذلك أن الله لا يأمر بالذبح بغير جريرة تعالى جل شأنه عن الظلم، قال بذلك المتكلمون وذكره الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب"، دلائله كثر. في ذلك قوله تعالى: "إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ"، أن يذبح نبي الله بغير جريرة. دليله قول الحكيم العليم:
* ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ * (البقرة: 61)
الخامسة: مقارنة تربوية داخلة في حجة الفداء. فلنقارن بقتل الغلام مع موسى والخضر، عليهما السلام، في سورة الكهف، والذي خشي أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا، قوله العزيز العليم:
* وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * (الكهف: 80).
ألم تر أن الخضر عليه السلام قال: "خشينا" ولم يقل: "خشيت"؟
من هنا كان الفداء لنبي الله إسماعيل، عليه السلام، الذي عنه قال تعالى:
* وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * (مريم: 54)
هنا إسماعيل، عليه السلام، في بنوة ونبوة، وهناك غلام في عقوق وطغيان وكفر. هنا رؤيا وهناك واقع اليقظة، فكان الفداء، الحجة والموعظة.
ولنقارن مع قصة نوح، عليه السلام، وابنه الذي لم يستمع إلى نصح والده أن يركب الفلك معهم للنجاة من الطوفان، وهى الفلك التي حملت "المثانى"، فكان من المغرقين. قال العليم الحكيم:
* وَنَادٰى نُوۡحُ اۨبۡنَهٗ وَكَانَ فِىۡ مَعۡزِلٍ يّٰبُنَىَّ ارۡكَبْ مَّعَنَا وَلَا تَكُنۡ مَّعَ الۡكٰفِرِيۡن * قَالَ سَاٰوِىۡۤ اِلٰى جَبَلٍ يَّعۡصِمُنِىۡ مِنَ الۡمَآءِؕ قَالَ لَا عَاصِمَ الۡيَوۡمَ مِنۡ اَمۡرِ اللّٰهِ اِلَّا مَنۡ رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا الۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ الۡمُغۡرَقِيۡنَ * وَقِيۡلَ يٰۤاَرۡضُ ابۡلَعِىۡ مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ اَقۡلِعِىۡ وَغِيۡضَ الۡمَآءُ وَقُضِىَ الۡاَمۡرُ وَاسۡتَوَتۡ عَلَى الۡجُوۡدِىِّ وَقِيۡلَ بُعۡدًا لِّـلۡقَوۡمِ الظّٰلِمِيۡنَن * وَنَادٰى نُوۡحٌ رَّبَّهٗ فَقَالَ رَبِّ اِنَّ ابۡنِىۡ مِنۡ اَهۡلِىۡ وَاِنَّ وَعۡدَكَ الۡحَـقُّ وَاَنۡتَ اَحۡكَمُ الۡحٰكِمِيۡنَ * قَالَ يٰـنُوۡحُ اِنَّهٗ لَـيۡسَ مِنۡ اَهۡلِكَ ۚاِنَّهٗ عَمَلٌ غَيۡرُ صَالِحٍ ۖ * (هود 22 - 26).
عصى الابن أباه أن يجاهد معه في سبيل الله واختار أن يكون مع الكافرين، فكان من المغرقين، هو حكم الله في أمر من اليقظة لا الرؤيا، قوله تعالى: "وَاَنۡتَ اَحۡكَمُ الۡحٰكِمِيۡنَ"، لم يشفع له أنه ابن نبي الله، قوله جل وعلا: "رَبِّ اِنَّ ابۡنِىۡ مِنۡ اَهۡلِىۡ": لجأ الابن إلى الطبيعة لتعصمه من أمر الله، كيف وهو الخلاق العليم؟ جاءته النصيحة في قوله تعالت حكمته: "لَا عَاصِمَ الۡيَوۡمَ مِنۡ اَمۡرِ اللّٰهِ اِلَّا مَنۡ رَّحِمَۚ "، ولم تصبه الرحمة في جانب الكفر وهو ابن نبي الله، فقد أرسل الله الطوفان عقابا للكافرين ولينجي نوح، عليه السلام، ومن معه والمثاني أيضا، قوله تعالى:
* قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ * (هود)
هنا أيضا من الحجة البالغة لم كان الفداء في الأضحي المبارك. وليكن عيدا للفداء وطاعة الله، وطاعة الوالدين في الحق والاستماع لنصائحهما فطاعتهما من الإيمان، إلا إذا غويا على الشرك، قول الرؤوف الرحيم:
* وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا * (العنكبوت: 8).
وقال:
* وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا * (لقمان: 15).
كررت مرتين، إشارة للمثاني، وقصة سفينة نوح عليه السلام فى اليقظة وبالوحى، هي الإنقاذ لسنة الله الرئيسية في الكون والحياة، المثانى أيضا. تعجب وتأمل، ستجد أن طاعة الوالدين في الحق من الإيمان، الحجة في فداء الأضحي.
وعليه كانت الرؤى في الذكر الحكيم يلزمها التأويل، جاز على رؤيا الأنبياء، مثار الخلاف بين جمع من العلماء. وليس من المعقول أن نساوى بين حال المنام وحال اليقظة أو بين الرؤيا والوحي في سبل البيان والاستدلال والتأويل، وإلا انطمست معالم الحدود بلا فرقان، نستغفره ونتوب إليه جلت حكمته، فهنا مثال للفرقان في القرآن، تمييزا للحدود.
السادسة: المعنى بالصدق في الرؤيا من حيث الرواية من جهة، ومن جهة أخرى التصديق بها وتفعيلها، قوله جلت حكمته: "فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ". لا يتعارض هذا الصدق مع لزوم التأويل للرؤيا، كما هي الحال مع رؤيا يوسف، عليه السلام، التي لم يكن السجود فيها للكواكب وللشمس والقمر على الحقيقة مع الصدق في الرواية، إنما الإخوة والوالدين. مثله أن رؤيا إبراهيم، عليه السلام، لم تكن على الحقيقة أمراً من الله تعالى بذبح الابن الصالح البار، الصادق الوعد، لذا كان الفداء وعيد الأضحي المبارك احتفاءاً بها. والله أعلم.
أما قوله تعالى:
* لَّقَدْ صَدَقَ اللَّـهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّـهُ * (الفتح: 27).
فقد احتج به في أن رؤيا الأنبياء من الصدق والحقيقة بحيث لا تفتقر إلى التأويل. وهذا في نظرنا ليس دقيقا من جهة أن هذه الرؤيا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم تتحول إلى حقيقة إلا بأمر الله، المقصد في قوله: "صَدَقَ اللَّـهُ" و"بِالْحَقِّ"، دليل ذلك قوله تعالى مع رؤيا يوسف، عليه السلام:
* وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا * (يوسف: 100).
وبها تفسير قوله تعالى: "بِالْحَقِّ" مع رؤيا الرسول الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. القرآن يفسر بعضه بعضا أكثر بيانا في المنهاج وأدواته، ما يؤيد ما ذهبنا إليه. ففي رؤيا يوسف، عليه السلام، علمه ربه التأويل، لأنه إن كان للكواكب والشمس والقمر أن تسجد فليس إلا الله الواحد القهار. في رؤيا إبراهيم، عليه السلام، ناداه ربه ليصلح وكان الفداء بعد أن صدقها نبي الله. هنا في رؤيا المصطفى، عليه الصلاة والسلام، جعلها الله حقيقة واقعة بإرادته جل وعلا. في كل الأحوال كان الله تعالت حكمته معقبا بالإصلاح أو التصديق، مثلما قال جل ذكره:
* قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا * (البقرة: 144).
لم يدع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ربه بها، فهي بمثابة رؤيا في اليقظة، وكانت الاستجابة تحولت إلى حقيقة رؤيا العين، من باب التأييد للرسالة الخاتمة إلى أن يتم الله نوره بالحق. ربما كان هنا فارق بين رؤيا الأنبياء ورؤيا الرسل، عليهم الصلاة والسلام. والله أعلم. من فضله الهدى وبه التوفيق.
الموعظة: عند الفداء أو النذر، أيما كان، أدعوا ربكم تضرعا وخفية مخلصين له الدين أن يهبكم الذرية الصالحة، وأن يصلح لكم في ذريتكم، هو نعم السميع المجيب.
فى سورة إبراهيم قال احكم الحاكمين:
* وَاِذۡ قَالَ اِبۡرٰهِيۡمُ رَبِّ اجۡعَلۡ هٰذَا الۡبَلَدَ اٰمِنًا وَّاجۡنُبۡنِىۡ وَبَنِىَّ اَنۡ نَّـعۡبُدَ الۡاَصۡنَامَ * رَبِّ اِنَّهُنَّ اَضۡلَلۡنَ كَثِيۡرًا مِّنَ النَّاسِۚ فَمَنۡ تَبِعَنِىۡ فَاِنَّهٗ مِنِّىۡۚ وَمَنۡ عَصَانِىۡ فَاِنَّكَ غَفُوۡرٌ رَّحِيۡمٌ * رَبَّنَاۤ اِنِّىۡۤ اَسۡكَنۡتُ مِنۡ ذُرِّيَّتِىۡ بِوَادٍ غَيۡرِ ذِىۡ زَرۡعٍ عِنۡدَ بَيۡتِكَ الۡمُحَرَّمِۙ رَبَّنَا لِيُقِيۡمُوۡا الصَّلٰوةَ فَاجۡعَلۡ اَ فۡـٮِٕدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهۡوِىۡۤ اِلَيۡهِمۡ وَارۡزُقۡهُمۡ مِّنَ الثَّمَرٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُوۡنَ * رَبَّنَاۤ اِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِىۡ وَمَا نُعۡلِنُ ؕ وَمَا يَخۡفٰى عَلَى اللّٰهِ مِنۡ شَىۡءٍ فِى الۡاَرۡضِ وَلَا فِى السَّمَآء * اَلۡحَمۡدُ لِلّٰهِ الَّذِىۡ وَهَبَ لِىۡ عَلَى الۡـكِبَرِ اِسۡمٰعِيۡلَ وَاِسۡحٰقَؕ اِنَّ رَبِّىۡ لَسَمِيۡعُ الدُّعَآءِ * رَبِّ اجۡعَلۡنِىۡ مُقِيۡمَ الصَّلٰوةِ وَمِنۡ ذُرِّيَّتِىۡ ۖ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآء * رَبَّنَا اغۡفِرۡ لِىۡ وَلـِوَالِدَىَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِيۡنَ يَوۡمَ يَقُوۡمُ الۡحِسَابُ * (إبراهيم: 35 - 41).
آمين يا رب العالمين. وكل عام وأنتم وأمة الإسلام في خير وسلام، أعاد الله الأضحي المبارك عليكم وعلينا والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها باليمن والبركات والسلام.
-----------------------------
أكتوبر 2014
- 33 views
حجة الفداء فى عيد الأضحى المبارك.
حجة الفداء فى عيد الأضحى المبارك.
وبها تفسير قوله "بِالْحَقِّ" مع رؤيا الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. والقرآن يفسر بعضه بعضا أكثر بيانا فى المنهاج وأدواته. ما يؤيد ما ذهبنا إليه. ففى رؤيا يوسف عليه السلام علمه الله التأويل، لأنه إن كان للكواكب والشمس والقمر أن تسجد لاحد فليس إلا الله الواحد القهار. فى رؤيا إبراهيم عليه السلام ناداه ربه ليصلح وكان الفداء بعد أن صدقها نبى الله. هنا فى رؤيا المصطفى عليه الصلاة والسلام جعلها الله حقيقة واقعة بإرادته. فى كل الأحوال كان الله تعالت حكمته معقبا بالإصلاح أو التصديق، مثلما قال جل ذكره:
لم يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بها، فهى بمثابة رؤيا فى اليقظة، وكانت الإستجابة تحولت إلى حقيقة رؤيا العين، من باب التأييد للرسالة الخاتمة إلى أن يتم الله نوره بالحق. ربما كان هنا فارق بين رؤيا الأنبياء ورؤيا الرسل عليهم الصلاة والسلام. والله أعلم. من فضله الهدى وبه التوفيق.
- 3813 views
(2) ملابسات آذانى الفجر.
(2) ملابسات آذانى الفجر.
حجة الآذانين تعتمد على الحديث الشريف، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، ومعناه - هلى قدر فهمنا للحديث - أن ذلك فى رمضان فقط حيث يعتبر الأذان الأول نداءا للسحور، والنانى للإمساك. فسبب الأول هو الأكل والشرب، فالكف عنه مع الثانى.
والله أعلم.
- 26479 views
رمضانيات 1440 هجرية.
رمضانيات 1440 هجرية.
بسم الله الرحمن الرحيم: * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ * صدق الله العظيم
- 2114 views
رمضاء الصيام، باب الهدى والإستجابة.
رمضاء الصيام، باب الهدى والإستجابة.
بسم الله الرحمن الرحيم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖوَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * * (البقرة: 184 -6)
صدق الله العظيم
رتب جل ذكره عدة مسائل فى الصيام: الآية الأولى بدأت بالعموم، أن منهاج الله واحد وشرعته واحده فى الرسالات السماوية، أمر فيها بالصيام، من هذا العموم خصص فى الإسلام أيام معدودات، الزمان والمدة والكيفية. فالتدليل على ثنائية "العام والخاص". ولأن رمضان من الرمضاء فقد ثبتت المشقة، عليها رخص جلت رحمته لعباده. جريا على ثنائية "الإختيار والجبر""، ففرض الصيام من الجبر بفرض الإيمان، أما الترخيص بالإفطار ففيه الإختيار المرشًد بقوله تعالى: " خَيْرٌ لَّكُم "، دون تفريط. فى الآية الثانية أورد جلت حكمته الفضائل والأسباب، ثم تناول الترخيص مرة ثانية تخفيفا للمشقة على العباد. التثنية تفيد أن فى المنهاج إستثناء وترخيص مثل الشرعة. من جانب آخر فإن الترخيص فى الشرعة واجب فقهيا أن تجرى مسائله ومسالكه منضبطة إلى المنهاج ومثانيه، ما هو تكييف الشرعة بالمنهاج فيما فيه خلاف. لأن فى ذلك يسر على العباد فى حمل التكليف، بلا إفراط أو تفريط.
على أن فى الصيام حكمة أساسية، إذا تقرب العبد إلى ربه بالعبادة الصحيحة، كان المردود دنيويا متعدد الجوانب. أن فى رمضان يكون الهدى من الله أكثر، حيث يفرغ العبد من النزوات والشهوات. الجانب الثانى فى المردود هو الإستجابة للدعاء، فهى أقرب مع قرب العبد من ربه، أكثر قربا فى الصيام. فمن فوائد الصيام فى الإعتقاد فتح أبواب الهدى والإستجابة، بإذنه تعالى، لعلكم تشكرونه جل شأنه على فرض الصيام، يريد بكم اليسر. والله أعلم.
بيان للمثانى المنهاجية تجده فى كتاب "إشراق المنهاج" وبإقتضاب على هذه المدونة "تساؤلات المنهاج"، والله ولى التوفيق والمستعان.
- 1611 views
شعبان فى بينية، مطابقة بين المنهاج والحديث.
شعبان فى بينية، مطابقة بين المنهاج والحديث.
يعلم المسلمون أن السنة شارحة للشرع ومبينة له بالتطبيق، والمستقر عليه أن لا تعارض بين الأحاديث الشريفة وبين القرآن الكريم، إنما ذلك فى الشرعة والإعتقاد، ثابت بالدلالة القطعية وقول الرؤوف الرحيم جل ذكره:
*وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُفَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا * (الحشر: 7)
لأنه بعلمه الأجل يعلم ما يجئ به الرسول من حكمة فى جماع كلم رسول أمى عليه الصلاة والسلام، ولما كان إصطفاؤه. كما يعلم علماء الإسلام مدى الجهد والإجتهاد فى تحقيق الأحاديث الشريفة، علوم شتى ما هى إلا سبيل اليقين فى التشريع، فيتحدثون عن الإسناد والآحاد والمتفق عليه والحسن والغريب والموقوف والمرفوع...الخ، أهل الحديث أهل لها. ولما كان المنهاج بكرا فلا نرى بقدر بحثنا فى الموضوع من عمد إلى محاولات للبرهنة على أن المنهاج فى الأحاديث الشريفة مطابق للمنهاج فى القرآن الكريم شارح له مثله مثل الشرعة سواء بسواء. وإن كان ليس هناك من شك فى ذلك مدلول الآية الكريمة، إنما الأهمية فى تبيان الحق الذى لم يستبين بعد فى تأسيس المنهاج والنظر فى قضاياه. بل قد قلنا بأن المنهاج يمكن أن يكون طريقا من طرق تحقيق الحديث، فإن كان تطابق إرتفع الشك فى الرواية والإسناد، وكان الحسن وصفا.
لقد سبق أن ذكرنا مثال لذلك فى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ما كثيره مسكر فقليله حرام"، ما يطابق المنهاج على المثانى فى ثنائية الكيف والكم بتقديم الكيف، مثالها قول العليم الحكيم:
* كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * ﴿البقرة : ٢٤٩﴾
فالتحريم فى الحديث الشريف على الكيف أصلا ومن ثم الكم تبعا، تطابق واضح، إثباتا للنبوة والإصطفاء. فإن كان التحريم على الكم لم يلزم تحريمه على الكيف، ولم يكن من يقين فى الكم وكانت شبهات وخلاف وتشيع.
فى شهر شعبان دليل آخر على هذا التطابق فى المنهاج بين الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، قول خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام: "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَان , وَهُوَ شَهْر تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَال إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ". المنهاجية هنا معنى من معانى وسطية الإسلام التى هى فى الحقيقة وسطية كينونة وكيفية، نعنى بخلاف الكيف فى هذا المقام، بقدر ماهى فى المصير والمآل والتفعيل، نقصد بها التدرج فى الوسائل، ليس من حيث الوسيلة المادية ولكن من حيث كيفية إدارة الوسائل، منهجها وطرقها. المسألة هنا بسيطة أنه من المفضل على منهاج الإسلام ألا تنتظر رمضان وتصوم فجأة فى يوم وليلة مع ما فى ذلك من إجهاد فى نواحى كثيرة، جسمانية ونفسية، يترتب عليها ضرر ربما كان مرئيا محسوسا، وربما كان طويل الأجل فى النتائج الغير مرغوب فيها صحيا. إن قلنا كان صيام رمضان بعد عام من الإفطار كالصدمة للبدن والنفس، كان ذلك صائبا إلى حد بعيد. المنهاجية إذن هى التدرج، تأويل قول الرسول عليه الصلاة والسلام "بين رجب ورمضان". "بين" هنا ليست وسطية كينونية أو زمانية أو كيفية، إنما التدرج فى الكيفية والطريقة. أن تدرب نفسك على الصيام فى شعبان، بعض منه، حتى لا يكون الصيام فى رمضان مثل الصدمة المفاجئة للبدن والمعدة بوجه خاص، من قبيل دفع الضرر.
المنهاجية ثابته الدلالة فى الذكر الحكيم من عدة وجوه ومن عدة طرق وفى عدة مناطات، حتى إكتسبت صفة العموم فى منهاج الإسلام، وحتى أننا نعدها صفة من صفات وسطية الإسلام من طريق الكيفية. فوسطية الإسلام على منهاج المثانى بحر واسع لا نرى له برورا فى الوقت الراهن. أول الأدلة فى مسألتنا وحاكمها وعامها قول الرؤوف الرحيم:
* وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * (المدثر: 14)
التمهيد والإعداد فى الوسائل والكيفية، الخطوات والطريقة. المعنى مبسوط لغويا لا يحتاج إلى تأويل، فبات قاطعا فى هذه المسألة. الذى يحتاج التأويل هو المفعول المطلق "تمهيدا"، ففيه تثنية المثانى. يدل من وجه آخر على أن التمهيد فى المفعول المطلق غير التمهيد فى الفعل، وإن كان من جنس الفعل، قلنا فيه من قبل مع قوله تعالى:
* وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * (المزمل: 4)
أن هناك فارق بين الترتيل فى الفعل والترتيل فى المفعول المطلق، أعلى مرتبة فى التفعيل، أو إن شئت قلت مضاعفة الفعل، فيكون الترتيل الثانى المعنى به هو التجويد، مع ما فى الفارق بين الترتيل والتجويد فى تفعيل القراءة، الذى يدل على الفارق فى المدلول بين الفعل والمفعول المطلق. دأب المفسرون والنحويون على إعتبار المفعول المطلق تأكيدا للفعل، لكنه فى المنهاج بمرتبة مختلفة. مثله قوله تبارك وتعالى:
* لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * ﴿مريم: ٩٤﴾
ليدل المفعول المطلق "عَدًّا" على الإحصاء، أعلى مرتبة فى العد من مجرد العمليات الحسابية العادية. من عداد قانون التأويل المجازى النحوى فى المنهاج. هنا أيضا فى التمهيد والإعداد للساريات من الأمور والأعمال والمخططات. فإن قلنا أن التمهيد الأول هو فى الوسائل المادية، كان التمهيد الثانى فى الكيفية والخطوات والطرائق.
إن أردت التمهيد ب "الفعل" لرمضان، فربما مهدت له بالولائم و"المكسرات" مما إعتاد عليه المسلمون وما شابه من أنواع المأكولات التى تساعد على صيام أقل فى المشقة، كأن تتناول فى السحور أنواع الغذاء التى تدوم لمدة أطول فى المعدة، ليست تحايلا وليس من تحريم فى ذلك، لأن التكليف فى عمومه ترتفع عنه المشقة، المنبع للرخص فى الشرع. أو أن تعد نفسك فى الأعمال بتحديد الأوقات وتغيير المواعيد لتتناسب مع حال الصيام، مع ما يترتب عليه من نتائج إختزال القدرات، أو الفتور البدنى فى بادئ الأمر، وإن كنا لا نقول به، فكم من إنتصارات للإسلام حدثت فى الشهر الكريم مثل بدر والعاشر من رمضان، إنما المقصود التغيير فى كيفية العمل مع التحول من حالة الإفطار إلى حالة الصيام.أما التمهيد بالمفعول المطلق"تميهدا" فهو المقصود فى الحديث الشريف، أن تصوم بعض من شهر شعبان. والله أعلم.
تأكيد المنهاجية فى حديث عائشة رضى الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان" (متفق عليه). أما حديثها رضى الله عنها: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهراً أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله". وفي رواية: "ولم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً"، ففي الرواية شك أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كاملا، لأن فى ذلك تعارض مع البينية فى الحديث الأول. البينية تعنى بين الإفطار والصيام، وبينهما البعض وليس الكل. فلو كان صيام شعبان كله إنتفت الحكمة فى البينية وفى منهاجية التدرج من حيث الأصل.
أحد المفتين أو الأئمة الوعاظ أصاب القول فى التأويل والتفسير للحديث الشريف عن البينية فقال:
< وشهر شعبان كالمقدمة لشهر رمضان شرع فيه ما يشرع في شهر رمضان على جهة الاستحباب من الصيام، وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي شهر رمضان المبارك وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن فيكون ذلك كالتمرين على صيام رمضان، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله" (متفق عليه).>
المصدر: http://www.sunnah.org/ibadaat/fasting/benefits_fasting_Shaban.htm
---------------------------------------------------------------------------
لكن المتكلم لم يصب فى إختيار حديث عائشة رضى الله عنها كتفسرة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن فى حديثها هذا شك، يعارض ما قاله هو ويتعارض مع فحوى الحديث عن البينية فى شعبان. فإن وقف حديثها عند قولها رضى الله عنها "يصوم من شهر أكثر من شعبان"، لم يكن من شك لأنه بذلك يرتفق والمنهاجية فى البينية ويؤيد تأويل الحديث الشريف الذى قال به هو نفسه معقولا، تحول من معقول إلى متعارض.
منهاجية التدرج فى الأمور والإعداد لها دلائلها كثر فى الذكر الحكيم، إستيفاؤها على أصولها يجئ مع حديث الوسطية، إلا أننا نذكر منها قول العادل الحكيم:
* نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ * ﴿البقرة: ٢٢٣﴾
قال فيها القرطبى رحمه الله:
< الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي قدّموا ما ينفعكم غداً؛ فحذف المفعول، وقد صُرِّح به في قوله تعالىٰ:
{ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ }[البقرة: 110].
فالمعنى قدّموا لأنفسكم الطاعَةَ والعملَ الصالحَ. وقيل إبتغاء الولد والنسل؛ لأن الولد خير الدنيا والآخرة؛ فقد يكون شفيعاً وجُنَّة. وقيل: هو التزوّج بالعفائف؛ ليكون الولد صالحاً طاهراً. وقيل: هو تقدّم الأفراط؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " من قَدَّم ثلاثةً من الولد لم يبلغوا الحِنثَ لم تمسه النار إلاَّ تَحِلَّةَ القَسَم"الحديث. وسيأتي في «مريم» إن شاء الله تعالىٰ. وقال ٱبن عباس وعطاء: أي قدّموا ذكر الله عند الجماع؛ كما قال عليه السَّلام: "لو أنّ أحدكم إذا أتى ٱمرأته قال بسم الله اللَّهُمَّ جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطانَ ما رزقَتنا فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ لم يضرّه شيطانٌ أبداً" أخرجه مسلم.>
إبن كثير رحمه الله فى تفسيره:
< وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله نساؤنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" الحديث، رواه أحمد وأهل السنن.>
داخل فى التقديم، فكان المفهوم المسكوت عنه، خلافا للضرب والتقبيح والهجران، هو الملاطفة والمداعبة فى التقديم تعبيرا عن المودة والحب بينهما. هنا لا تفى البسملة أو التمنى بالتقديم والإعداد المطلوب وإن كانت مستحبه كما قال المفسرون، تيمنا فى كل الأحوال بالذرية الصالحة. ربما كان فى ذلك إعجاز علمى من طريق الوراثة، والله أعلم. منه جاز المنع إن لم تكن لها رغبة فى الآونة، داخل فى التقديم أيضا. مثل أن من النساء أصحاب الرسول صلى عليه وسلم من منعت زوجها من إتيانها الدبر وصدقها صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس إن الله لا يستحي من الحقّ لا تأتوا النساء في أعجازهنّ"، الحديث، ذكره إبن كثير فى تفسيره. هنا بالقياس جائز الممانعة بعدم توافر الرغبة. دليله عدم الإكراه فى النكاح. لأهل الأصول الفصل، إنما ثابت الدليل مفاد منهاجية التدرج والتمهيد، وتفسير التقدمة فى الآية الكريمة.
دليل ثان على المنهاجية، قول القاهر فوق عباده:
* وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ * (الأنفال: 60)
لا يحتاج إلى بيان، محكم القول لغويا فى الإستدلال على منهاجية التدرج والإعداد، وإن تطلب التأويل فى ماهية القوة ورباط الخيل.
فإن قلنا أن شهر شعبان بين رجب ورمضان فى الزمان وفى المناط الذى هو الصوم، كان البين بينهما صيام بعض من شعبان لم ينص فيه على عدد الأيام، وإن كان حديث عائشة رضى الله عنها يدل على أنه أكثر الشهور صياما عند الرسول صلى الله عليه وسلم. كان يصوم فى الشهور الأخرى إلا أن شعبان أكثر صياما، تأويل البين بين حالة الإفطار وحالة الصيام. فإن تأولنا البين على الأرجح على أنه وسطية، كان المطلوب هو صوم خمسة عشر يوما من شعبان، ليس فرضا ولا واجبا من حيث الشرع، إنما مستحب من حيث الإقتداء إبتداءا، أهل الشرعة أهل لها، بينما هو تكليف من حيث المنهاج والإقتداء سواء، تحقيقا للوسطية فيه بين الصفر والثلاثين يوما. وإذا أجرينا الوسطية على الإعداد والتدرج، كان الأفضل أن نتدرج أيضا فى عدد الأيام خلال الأسابيع الأربعة، تماشيا على وجه آخر مع مضمون قوله تعالى: "وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا". التمهيد الأول فى العدد هو خمسة عشر يوما تقريبا، والتمهيد فى المفعول المطلق أن يكون هناك تدرج مثل أن تصوم يومان فى الأسبوع الأول، وثلاثة فى الثانى، وأربعة فى الثالث، ثم خمسة فى الرابع، فيكون هناك أربعة عشر يوما. أما أن الأيام مفردة أو متجمعة فيمكن إدخالها الإعداد والتدرج بإعتبار الأسبوع الواحد، كأن لا تجمع فى الأسبوع الأول، مستحب فى الأخير، متروك للمكلف بإدراك أن ذلك يعنى فى المقام الأول الصحة الجسمانية والنفسية سواء، بل ألأعمال الصالحات وعبادة فى إستقامة على معطيات الدين القيم ومنهاج الله. والله أعلم.
مسك الختام:
* قُلِ ادْعُوا اللَّـهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * ﴿الإسراء: ١١٠﴾
صدق الله العظيم
-----------------------------
الإنشاء : [Minhageat.com]
- 74135 views
فى الهجرة ميلاد، فهاجروا إلى منهاج الله..
فى الهجرة ميلاد، فهاجروا إلى منهاج الله..
كل عام وأنتم بخير وسعادة، وأمة الإسلام فى سؤدد وسلام بإذن الرحمن.
الباب الأول: قصة الهجرة.
بسم الله الرحمن الرحيم:
* إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * ﴿التوبة: ٤٠﴾
ميلاد جديد للإسلام ولرسوله المصطفى محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة وازكى السلام، به عم الإسلام ثلث وجه الأرض وباتت أبدا كلمة الله هى العليا. يأبى الله إلا أن يتم نوره فى مشارق الأرض ومغاربها ولو كره كل من فى الأرض، فكانت الهجرة نصر من الله للإسلام وميلاد جديد، فيها العبرة والموعظة التى فيها مقالنا.
عن قصة الهجرة يقول القرطبى رحمه الله فى تفسيره "الجامع لأحكام القرآن":
< الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} الغار: ثقب في الجبل، يعني غار ثَوْر. ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شر شاغل لا يُطاق؛ فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيّتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمّى عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشِيَهم النوم، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أَرقْط.
ويُقال ابن أريقط، وكان كافراً لكنهما وثقا به، وكان دليلاً بالطرق فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خَوْخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جُمَح ونهضا نحو الغار في جبل ثَوْر، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلاً فيأخذ منها حاجتهما. ثم نهضا فدخلا الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم فيُعَفّى آثارهما. فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار فقال: هنا انقطع الأثر. فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله. فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن ردّه عليهم. الخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك ابن جعْشُم في ذلك مذكورة. وقد رُوي من حديث أبي الدّرداء وثَوْبان (رضي الله عنهما): أن الله عزّ وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردّهم ذلك عن الغار.
الخامسة ـ روى البخاريّ عن عائشة قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل هادياً خِرِّيتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غارَ ثَوْر بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فُهيرة والدليلُ الدّيلي، فأخذ بهم طريق الساحل. قال المهلب: فيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عُلم منهم وفاء ومروءة كما ائتمن النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المشرك على سِرّه في الخروج من مكة وعلى الناقتين.> ا.ه.
الثانى: ملابسات التفسير:
من طرائف الرازى رحمه الله فى تفسيره "مفاتيح الغيب" تفسير الضمير ومن المقصود بالسكينة:
< والوجه العاشر: قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} ومن قال الضمير في قوله: {عَلَيْهِ} عائداً إلى الرسول فهذا باطل لوجوه:
الوجه الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ}. والتقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه.
والوجه الثاني: أن الحزن والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمناً، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس.
والوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفاً، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} فمن كان خائفاً كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولاً أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.> ا.ه.
نحن معه فى هذه المسألة لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لصاحيه رضى الله عنه: "لا تحزن إن الله معنا"، ولا يصدر ذلك إلا عن قلب ملؤه السكينة مفعم ومطمئن بالإيمان على يقين من نصرة الله لهما، لم يخالجه شك، ينبنى على سكينة متمكنة فيه. بخلاف موقعة "حنين" التى أنزل فيها السكينة صريحة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين وهم فى حال انكسار وفرار، قول الملك الحق:
* ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ * (التوبة: 26).
التأكيد فى ايجاب حرف الجر "على" مخصصة للرسول ومخصصة للمؤمنين، التفريق لا الجمع: "على رسوله والمؤمنين". كفوله تعالى: "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج" فإختلفت الأسباب بين المناطات الثلاثة (الزمخشرى فى "الكشاف" وموضوعنا "الجدال والجدل"). هنا أيضا أسباب السكينة التى نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم تختلف عن الأسباب التى بها نزلت على المؤمنين. فى الهجرة لم تكن السكينة مقصود بها الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لذكرت صراحة كما هى الحال فى سورة الفتح ايضا بنفس المنطوق قوله جل وعلا:
* فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ * (الفتح: 26).
فأينما قصد بها الرسول صلى عليه وسلم ذكر وأشير إليه صراحة، كان تعظيما لخاتم المرسلين أو كان من البيان. وعليه فضمير السكينة فى آية الهجرة راجع للصديق رضى الله عنه، تأويل الرازى. والله أعلم.
حيث أن التكرار ورد حرفيا مرتين، فهو يشير إلى المثانى، أن فى المثانى سكينة للمؤمنين، ما يمثل دليلا ثانيا لم كان التخصيص بالتفريق لا الجمع. آية قوله "على" فى الأيتين التدليل على ثنائية الفرد والمجتمع، مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كفرد والمؤمنون فى مقام الجماعة أو المجتمع، قدم فيها الفرد. أن تكون المثانى فيها سكينة المؤمنين، ربما كان دليلها فى قول العليم الحكيم:
* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ* ﴿الأعراف: ٥٣﴾.
جاء قوله "تأويله" مرتين بما يعنى إنتظار تأويل المثانى، وجاءت "نعمل" مرتين للتدليل على أن المقصود بإنتظار التاويل هو تأويل المثانى. وأن العمل بالمثانى أكثر إنضباطا وإرتفاقا بمقاصد الذكر الحكيم والحكم بما أنزل الله من حال قبل التأويل والإقتصار على الشرعة فى أسباب الإستخلاف فى الأرض. فإذا أضفت قوله "شفع" وذكرها مرتين أيضا فى نفس السياق، يصبح عندنا ثلاثة أدلة ما هو مطلوب الإستدلال فى المنهاج، من ثم فقد عنى بالعمل المنهاج ككل لا ينحصر فى المثانى وحدها، وعنى بإنتظار التأويل المنهاج أيضا. والله أعلم.
الملابسة الثانية عن الجنود التى لم ترى:
المفسرون قالوا بأن جنود الله فى الهجرة هى الملائكة، ومن قال بأنها الملائكة فى موقعة "بدر" بخروج عن السياق، وليس بدقيق البيان. فعندما يريد الله بها الملائكة فهى بالتنزيل وليس بالتأييد، والوارد فى الهجرة التأييد. فى موقعة "بدر" قال جلت قدرته:
* إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّـهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖفَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * ( آل عمران: 122 - 4)
وقوله فى "حنين":
* لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙإِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * (التوبة: 25 - 6)
كلمة "جنود" كناية فليست بجنود مجيشة، المقصود بها كل من ساهم فى نجاح الهجرة. "لم تروها" المعنى بها لم تروها كجنود مجيشة، فليست بموقعة حربية حقيقية، وإن كانت الهجرة بمثابة موقعة بين المسلمين والكفار. إنما الجنود هم الصديق وعلى وعبد الله ابن ابى بكر وأسماء ابنته وعامر بن فهيرة رضوان الله عليهم، والدليل من الكفار ابن أرقط، وأن الله أعمى أبصار الكفار فغشيهم النعاس، ثم الغنم والعنكبوت والحمام (القصة أعلاه). ولو كانت الأخيرتين فقط كجند الله لسددتا المعنى الذى نسعى إليه. وقد قال تعالى:"ولله جنود السماوات والأرض"، داخل فيها العنكبوت والحمام، تلك التى مسيرة بمقدرة الله وإرادته. أما القول بأن "لم تروها" لأنها من الملائكة فمردود لأن ذكرهم مقرون بالتنزيل حالهم فى موقعتى "بدر" و"حنين". بهذا يصدق التأييد وليس التنزيل، فكل من شاركوا فيها من الصحابة رضوان الله عليهم، مؤيدين بإرادتهم وإيمانهم بالرسول صلوات الله عليه وسلامه.، ثم أيده الله بغشى الأبصار وبالعنكبوت والحمام. والله أعلم.
الثالث: السنة الهجرية كتقويم.
قوله جلت قدرته:
* هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * ﴿يونس: ٥﴾.
الإمام فخر الدين الرازى كأحد الراسخين فى العلم كان تفسيره أكثر علميا من غيره، يكفيه التأسيس لعلم الميكانيكا فى هذا الأمر. نترك له مع "الويكيبيديا" هذا الباب، وإن كنا لسنا على وفاق معه فى الكلاميات مع تقدم العلوم، لا ننتقص من إجتهاده ورسوخه وأعماله الجليلة شيئا إن خالفنا، إنما التحديث والإضافه، كما هو الشأن مع كل علماء الإسلام وائمته الأفاضل، فلولا علمهم وإجتهادهم ما كنا سطرنا فى المنهاج بعد هدى الرحمن جلت أنعمه، رحمهم الله وأثابهم من فضله.
< وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضاً، وبالعكس. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد. وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً} وهو المطلوب.
المسألة الخامسة: اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والأضعف، فإن نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أول النهار قبل طلوع الشمس،وهو أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس، وهو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس، فكمال هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس، وهو في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس، فهو من مواقف العقول. واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض؟ والحق أنه عرض، وهو كيفية مخصوصة، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة، فهي مباحث عميقة، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات.
..................................
------------------------
المسألة السابعة: الضمير في قوله: {وَقَدَّرَهُ} فيه وجهان: الأول: أنه لهما، وإنما وحد الضمير للإيجاز، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر، ونظيره قوله تعالى:
{ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62]
والثاني: أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى القمر وحده، لأن بسير القمر تعرف الشهور، وذلك لأن الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى:
{ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } [التوبة: 36].
المسألة الثامنة: اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل. وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم. وبحركة القمر تحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم. وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل، فالنهار يكون زماناً للتكسب والطلب، والليل يكون زماناً للراحة، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم.> ا.ه.
السنة الهجرية فى "الويكبيديا" وإعجاز التقويم:
< تاريخ التقويم الهجرى:
أنشأه الخليفة عمر بن الخطاب وجعل هجرة الرسول من مكة إلى المدينة في 22 ربیع الأول (24 سبتمبر عام 622م) مرجعاً لأول سنة فيه، وهذا هو سبب تسميته التقويم الهجري. رغم أن التقويم أنشئ في عهد المسلمين إلاّ أن أسماء الأشهر والتقويم القمري كان تستخدم منذ أيام الجاهلية. أول یوم هذا التقویم الجمعة 1 محرم سنه 1 الهجری قمری (16 يوليو عام622م).
تتخذ بعض البلدان العربية مثل السعودية التقويم الهجري كتقويم رسمي لتوثيق المكاتبات الرسمية بين دوائر الدولة الرسمية إلاّ أن عامّة الشعوب العربية تألف وتتعامل بالتقويم الميلادي عنه من التقويم الهجري باستثناء المملكة العربية السعودية التي تتعامل بالتقويم الهجري على المستويين، الرسمي والشعبي.
أشهر التقويم الهجري:
يتكون التقويم الهجري من 12 شهر قمري أي أن السنة الهجرية تساوي 354 يوما تقريباً، بالتحديد 354.367056 يوم، والشهر في التقويم الهجري إما أن يكون 29 أو 30 يوماً (لأن دروة القمر الظاهرية تساوي 29.530588 يوم). وبما أن هناك فارق 11.2 يوم تقريبًا بين التقويم الميلادي الشائع والتقويم الهجري فإن التقويمين لا يتزامنان مما يجعل التحويل بين التقويمين أكثر صعوبة.
إجتماع العرب لتوحيد الأشهر:
في سنة 412م وقبل البعثة النبوية ب150 سنة وبمكة المكرمة اجتمع العرب سواء من رؤساء القبائل أو الوفود في حج ذاك العام أيام كلاب بن مرة جد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخامس، لتحديد أسماء جديدة للأشهر يتفق عليها جميع العرب واهل الجزيرة العربية بعد أن كانت القبائل تسمي الأشهر بأسماء مختلفة، فتوحدوا على الأسماء التالية مع أسباب التسمية.
الأشهر في التقويم الهجري: .......................................
التحويل بين التقويمين الهجري والميلادي:
ورد بالقرآن في سورة الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ وفي تفسيرها: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنة شمسية وهنا ذكر ثلثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلثمائة تسع سنين فلذلك ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾[1].
رغم أن التفاسير اختلفت فالبعض [بحاجة لدقة أكثر] قال ان المقصود هو انهم لبثوا ثلاثمئة وتسع سنين، والبعض ذهب انهم لبثوا ثلاثمئة سنين وتسعة ايام أو تسعة شهور أو تسعة ساعات أو تسع جُمع.... وعموما كان وقت المفسرين يعرفون كيف يحسبون السنين الميلادية والهجرية، أي باختلاف سني الشمس والقمر؛ لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلثمائة تسع سنين.[1]
تقويم أم القرى:
تقويم أم القرى هو تقويم قمري يعتمد على دورة القمر لتحديد الأشهر وكذلك جزء منه تقويم شمسي لتحديد فصول السنة، وهو التقويم الرسمي لـ المملكة العربية السعودية الذي تؤرخ به على المستويين الرسمي والشعبي. ويعتمد إحداثيات (خط الطول وخط العرض) للكعبة المشرفة في مكة المكرمة أساسا لتقويم أم القرى، ويعتمد على ولادة الهلال فلكيا حال غروب القمر بعد غروب الشمس في مكة المكرمة.
التقويم الهجري المجدول:
التقويم الهجري المجدول (Tabular Islamic Calendar)، تقویم عالمي هجري يعتمد علي محاسبة عدديه (مجدول) يستخدمه المورخون لتسهيل محاسبته. الشهور في هذا التقويم توالي من 30 يوم في شهور المنفرد مثل المحرم و 29 يوم في شهور المزدوج مثل الصفر. ویکون شهر الآخر (ذو الحجة) في سنوات الکبیسة یکون 30 یوما. یکون 11 سنة کبیسة في کل من 30 سنة. إذا تقسم السنة الهجری علی عدد 30 وتبقی عدد من اعداد: (2 - 5 - 7 - 10 - 13 - 16 - 18 - 21 - 24 - 26 - 29) یکون السنة سنة کبیسة. هذا التقویم یمکن أن یکون متغایر مع تقويم أم القري أو تقاویم هجری أخری في یوم أو یومان. تاریخه الیوم یکون: 27 ذو الحجة 1433 هجري مجدول.> ا.ه.
الرابع: ارض منهاج الله الواسعة، فلتهاجروا إلى الله:
قال العفو الغفور:
* إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَـٰئِكَ عَسَى اللَّـهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَفُوًّا غَفُورًا * وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا * ﴿النساء: 97 - 101﴾.
ذكرت الهجرة ثلاث مرات فى وحدة سياقية منهاجية إستدلالا على أن المقصود به هو الهجرة إلى منهاج الله. ليست هجرة مكانية كما كان الشأن مع الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما هجرة إيمانية بها يتم الله نعمته علي المسلمين بالمنهاج ومثانيه إضافة إلى الشرعة. فى الأولى تسبيب للإستضعاف وظلم النفس حيث أرض الله الواسعة ثم المآل لهؤلاء جهنم وساءت مصيرا، فكانت الهجرة مطلب إيمانى. فى الثانية أيضا تسبيب للطلب والجهاد فى سبيل الله على أرض الله الواسعة. فى الثالثة النوعية والغاية من أنها هجرة إلى الله ورسوله، قوله: "وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ"، هجرة معنوية عقلية وفكرية فى رحاب القرآن وسعة المنهاج، مؤكدة ثلاثا. عنى بأرض الله الواسعة كليهما الأرض الطبيعية وأرض المنهاج ومثانيه التى هى كليات شاملة جامعة للوجود بأكمله بخلاف الشرعة التى لا تفى وحدها بمطلب الإستخلاف فى الأرض.
كرر ذكر قوله تعالى: " الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ" مرتين على مدار الذكر الحكيم، دليل على أن الإستضعاف بسبب من غياب المثانى وأن فى المثانى عناصر القوة والغلبة. والله أعلم.
الهجرتين والأرضين مقصودهما مقرر فى قوله تعالى:
* إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ *
الجمهور من المفسرين قالوا بثانى إثنين عددا، والرسول عليه الصلاة والسلام لا يشار إليه عددا وهو المرسل من عند الله رحمة للعالمين، تقلل من شأنه الذى مدحه وذكاه رب العزة أكثر من مرة لا يحتاج إلى بيان. منه أن الرسول لا يكون ثانيا فى المقام إنما هو فى حقيقة الأمر الأول وليس ثانيا تبيانا ومقصدا، إنما الثانى فى المقام هو الصديق أبو بكر رضى الله عنه فى الصحبة، قوله "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ". الصاحب يجئ ثانيا فى الإستدلال تكوينا. من هنا الدليل العقلى من أن قوله "ثَانِيَ اثْنَيْنِ" من المتشابهات. وهو من المتشابهات بتكرار التثنية، "ثانى" و "إثنين" على الجذر من البعيد فى التأويل على المثانى. هذا برهاننا بأن المقصد أن هناك هجرتين، الأولى مكانية بالظاهر من القول يطابقه الواقع من الأمر، هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وميلاد جديد له وللإسلام. الثانية من البعيد هجرة من الإقتصار على الشرعة فى الإستخلاف والإيمان إلى السير على ساقى أصول الدين، الشرعة والمنهاج. هناك تشابه بين الهجرتين فى مآلهما. الهجرة المكانية لم تعن الترك إنما الإنقاذ. لم تعن ترك مكة مهبط الرسالة السماوية، ومقام إبراهيم عليه السلام، إنما إنقاذ الرسول والإسلام من جور الكفار وتبييتهم للرسول. فتحت مكة فيما بعد فلم تكن الهجرة تركا بالأصل. فى الهجرة الثانية نفس الأمر أنها ليست تركا للشرعة، إنما إدراك تمام الدين والحكم بما أنزل الله شرعة ومنهاجا. هى تركا للجمود والعقم فى الإجتهاد والتقليد والتقهقر سلفا والتشيع ثم جدب الدعوة التى حلت بالأمة بعد الإنحسار فى الأندلس، فبات المسلمون شيعا بالإنحصار فى الجزئيات، والمنهاج ومثانيه أرض خصبة واسعة فى العقل والتطبيق كليهما، بإتساع البحر من النهر. أنه ليس من صحيح الدين الإقتصار على الشرعة فتسبيب للهجرة الثانية.
فى الإتساع قال الحكيم العليم:
* لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ﴿التوبة: ٢٥﴾.
وقال:
* وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّـهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * ﴿التوبة: ١١٨﴾.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(308) " من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام "، صدق رسول الله.
المعنى مطابق بين الذكر الحكيم والحديث الشريف، أن الهجرة من الإيمان إذا ثبت الإستضعاف، كانت هجرة فردية أو جماعية، مكانية أو عقلية بغيتها نصرة النفس والإسلام. الهجرة المعنوية تستقى من قوله "وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ"، وقوله: "ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ"، قوله "مدبرين" فيها الإتساع من الأرض المكانية، فلا يستوى الضيق منها والإدبار وكان المقصد بقوله: "بِمَا رَحُبَتْ"، ليس مكانيا إنما الأسباب والإستدلال والسبل وما إليها فى العقل والإيمان.. والهجرة معنوية فى قول العلى القدير:
* فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ﴿العنكبوت: ٢٦﴾
ليست الهجرة هنا مكانية إنما معنوية إيمانية إلى منهاج الله، وهو المطلوب.
جدير بالذكر فى الموضوع أن القصص القرآنى يقع معظمه فى المتشابهات، فيه من أنباء الغيب والمنهاج والعقيدة، بيانه تضمنه للمجاز، ليس بمحكم من ثم يلزمه التأويل. ففى القصص ثلاث مقاصد، أنباء الغيب ما قد سلف وإلى يوم الساعة، لما فيها من عظة وعبرة وبرهان الألوهية، والمنهاج للعمل به والحكم بما أنزل الله، كما فيه باب الإعجاز العلمى من أنباء الغيب وعليه براهين الخلق وآيات الآفاق، وفيه السبع المثانى كليات الوجود أدلتها المبدئية مطمورة فى القصص، فضلا عما يتضمنه من عقيديات وإثبات الإله الخالق مرسل الرسل والأنبياء، رسلا تترى على قلب رجل واحد من لدن إله واحد لا شريك له ولا ولد.
الطريق الأولى إليه التفسير بظاهر القول وما كان من مطابقة لواقع الأمور، الراحج فى لغة الرازى، والثانية بالتأويل، المرجوح فى لغته، كلاهما جائز وليس فيه من تقول على الله، إلى أن يتحول الراجح إلى مرجوح، أو المتشابه إلى محكم فيبطل ما عداه. ليس فى ذلك ظاهرية إنما إجتهاد يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، كلاهما مثاب عند الله بإذنه، وللظاهرية مذهبها المعروف الذى لم يلق القبول عند أهل السنة والجماعة. هو تمهيد الطريق للصواب من المعنى وتكشف المضمون بعد إحتمال، فتستبين الحقيقة بالتأويل بناء على دليل ثابت عقلى أو نقلى لا شبهة فيه، وردت أدلة الطريق فى سورة الكهف.
هنا مبحث عظيم، فلم يقال بعد كل ما على التأويل وأدواته، لسبب بسيط أن المتشابه والمنهاج يعتبران حقلا بكرا، أبوابهما موصدة بسبب مقولة لا إجتهاد مع النص وفهمها الخاطئ، وبسبب تفسير "الواو" فى "والراسخون فى العلم"(آل عمران: 7) بأنها على الإبتداء، قليل ما هم الذين قالوا بالعطف من متأخريهم الإمام محمد عبده، إضافة إلى التفريط فى المنهاج بالقول أن السبع المثانى هى فاتحة الكتاب وعليه الجمهور، وبسبب الإختلاف حول مفهوم النص. من العوامل الفاعلة فى الأبواب الموصدة أن أحدا بقدر علمنا لم يجب إجابة شافيه وافية على سؤال ما فائدة المتشابه وما الطريق إلى سبر أغواره وكيف العمل به مقارنة بمحكم الشريعة الذى يحتل تقريبا ثلث القرآن. الشرعة ضاقت بها البحوث حتى قيل كما ذكرنا أنها قتلت بحثا، المعنى فى قوله: "ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ"، أما المنهاج فمازال بكرا، والله تعالى جل فضله قد جعل لنا كليهما نبراسا للإستخلاف فى الأرض فى معرض الحديث عن الحكم بما أنزل الله، قوله جلت حكمته:
* وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * ﴿المائدة: ٤٨﴾.
فلتهاجروا إلى منهاج الله جل شأنه، يثبكم الله من فضله ويصلح لكم أعمالكم بعد تخلف، وحيث ضاقت عليكم الأرض فى الإستدلال والإستنباط وفيها رحاب المنهاج. فى سورة التوبة كررت "ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ" مرتين وفى سياق الحديث عن ثنائية الكيف والكم، قوله تعالى: "أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ". وعليه كان المقصود فى قوله: "بِمَا رَحُبَتْ" هى رحاب المثانى، وقد ذكرنا ذلك فى موضوع المنهاج كيف أن قوله: "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا.." الآية، ينطبق على المثانى. ثم إنه فى آية الهجرة قول العلى القدير:
* إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * ﴿التوبة: ٤٠﴾
كررت "إِذْ" ثلاث مرات، إشارة للمنهاج، من التأويل البعيد الذى قال به إبن رشد رحمه الله. البعيد هذه فى ثلاثة أنواع، الأول ما عنيه إبن رشد من أنه فى العقل، تدليل وإجتهاد وقدح للعقل أكثر. البعيد الثانى عندنا فى الزمن، أن دليله متأخر لم يتوفر عليه الأولون، ومنه ما لم يتوفر بين أيدينا بعد. البعيد الثالث فى تأويل المنهاج أنه ليس بالتأويل المعروف دلائله فى الشرعة أو العقيدة، مبناه الأول التكرار وثلاث من الأدلة، يحتاج البعيد الرشدى أكثر من غيره. وليكن هذا النوع "بعيد التكرار"، بعيد فى الإستدلال على مكانه فى الذكر الحكيم، بمعنى أين هو؟ فى التفصيل يتفرع إلى درجات، فإن وقع التكرار فى نفس الآية كان قاطعا بالقرب فى المكان وإن كان بعيدا فى الإستدلال، ثم بعيدا فى آيات مختلفة متتاليات فى وحدة سياق منهاجية، ثم بعيد بالتكرار فى نفس السورة، ثم الأبعد مكررا فى سور مختلفة، دلائله متوافرة فى الذكر الحكيم، فيها تفصيل يجئ فيما بعد بإذنه تعالى. مثال الأول قوله "إِذْ" فى الآية الكريمة. مثال الثانى ما ذكرناه أعلاه وتكرار الهجرة ثلاثا فى سياق واحد وآيات متتاليات فى سورة النساء، وفى آيات القبلة وثنائية المجتمع والفرد فى البقرة، سبق. ومثال الثالث فيما يجئ بعد وقوله: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ"، من الأبعد مكانا.
قوله "إذ" فى الآية الكريمة يعنى أن المسلمين فى يوم من الأيام، سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة، سيفتقرون إلى هجرة أخرى، ليست هجرة مكانية، إنما هجرة إلى منهاج الله فى الحياة، بعد هجران فى التدبر، وبعد تخلف وعوار فى الأعمال، وبعد أن سلبهم النهضة وأسبابها ومنحها لغيرهم. وما زال المسلمون يمشون فى الأرض على ساق واحدة من أصول الدين. إنه التصديق لما بين أيدينا، سبحانه وتعالى العزيز الحكيم جلت قدرته. هجرة إلى المنهاج، هجرة فى الأدمغة والفكر والممارسات والحكم بما أنزل الله (سبق منه فى موضوع: مرجعية الدستور)، قول العليم الحكيم:
* إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ* ﴿المائدة: ٤٤﴾.
الثمن القليل فى المتشابه الذى دأب المفسرون على نسخه فإبطال المنهاج.
وقوله:
* وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * ﴿المائدة: ٤٥﴾.
وقوله:
* وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * (المائدة: ٤٨).
كررت "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ" ثلاث مرات فى نفس السياق فى نفس السورة، أعقبها المقصود "شِرۡعَةً۬ وَمِنۡهَاجً۬اۚ "، فالمطلوب إستبقوا الخيرات فى كليهما سويا، ما فيه مدادنا بعون الله. قرر سبحانه فى الآيات الثلاث أن من لا يحكمون بما أنزل الله فئات ثلاث: الكافرون والظالمون والفاسقون، وهم نفس الفئات التى لا يهديها الله. فإستبقوا الخيرات يهديكم الله إلى صراطه المستقيم ويصلح لكم أعمالكم. والله أعلم.
الخامس: جدب الدعوة:
قال العزيز الرحيم:
* ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * ﴿النحل: ١٢٥﴾
الدعوة لا تكون بين المسلمين إنما غيرهم، أما المنابر فعليها التبصير للمسلمين بأمور دينهم، هناك فرق. وفى الدعوة طرفان وحجتان فى جدال. إن غلبت حجة الداعى حجة الآخر كان التأثير والفاعلية، مع العكس يكون جدب الدعوة. الحجة فى الآية الكريمة هى الحكمة والموعظة، الوسيلة فيها الجدال. فبماذا تجيب فى عصر العلم من يقول بأن القرآن يخالف سنن الطبيعة عندما يقول أن هناك مشرقان ومغربان؟ هنا حجتان، حجة القرآن وحجة العلم المنظور. مطلوب الجدال أن تقارع العلم بالعلم والحكمة بالحكمة، إن شئت قلت الفلسفة ولا ضير، إنما الأحسن. فى صدر الإسلام إمتد إنتصاره من الأندلس غربا إلى الشرق الأقصى بالحجة الناصعة والعقول النيرة، حين لم يكن هناك من تقدم علمى وفسلفى يبهر العالم ويحكم أمورهم مثلما هى الحال اليوم. اليوم ذهب الناس إلى تأليه العلم مثلما يقولون بأن نيوتن هو نبى العلم فى الغرب، أدى بالرئيس الأمريكى بوش الصغير أن يصف نفسه بأنه رب هذه الأيام. فى الدعوة إذن علينا أن نعى الأسباب ثم نجابه بالحجة الأنصع. بوش الآن مثل فرعون فى القدم الذى قال أنا ربكم الإعلى. ومثله بابا الفاتيكان الذى لم يعلن ربوبيته مثل بوش لكن الناس فى الغرب يعبدونه على هذه الصفة. نحن لا نعادى دينا من الأديان بل العكس، المنهاج يحتضن كل الرسالات والنبوات بلا تحريف، أحد معاول الدعوة للدين الحق.الأسباب عند بوش تنوير وفلسفة وعلم بنى على فلسفة علمية منذ عصر النهضة. وعندما تجابه العلم والفلسفة بالدين عليك أن تنقيه أولا من الخرافات التى ليس لها مكان فى عصر العلم. ثم ثانيا المثال، أن تضرب المثل وتكون محلها فى الثقافات المتعددة، وليس حال العالم الإسلامى بقادر على هذه المجابهة بالتخلف ومع التغريب الذى زحف على القيم والمبادئ فضلا عن اللغة والدين. ثم عليك بالحكمة ثالثا التى تعرف عند علماء الإسلام بأنها فلسفة مجازيا. لا تجد هذه فى الشرعة إنما المنهاج. فلسفة الغرب بدأت بالتنوير وإبن رشد على أرضية إسلامية العلم، جحدها الغرب، وفى القرآن تنوير وحكمة وعلم طبيعى ونظرى لم ينل منها المسلمون مأربها بعد على أصولها. بإختصار هو المنهاج الذى يمكنه الثبات والفعالية فى هذا المضمار الوعر مع تأليه العلم. فى مقام سالف أشرنا إلى المثانى بأنها تجب كل الوضعيات الفلسفية.
إن كان للحكمة مكان فى الذكر الحكيم لا يكون إلا المنهاج، لا الشريعة ولا العقيدة. قيل فى إبن رشد أنه الحكيم وقيل الفيلسوف، فتقاربت الحكمة والفلسفة، وإن كان هناك فرق الوضعى من الوحى فى منظورنا، له مقام آخر. منه أن المقصود بقوله تعالى: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ" أنه بالمنهاج وما يتضمنه من تنوير وكليات الوجود المثانى. والله أعلم.
فاستبقوا الخيرات ولتنتصروا للمنهاج ينصركم الله، لندرك مسالك الإستخلاف فى الأرض على أصولها وكمالها. تلك هى الدعوة للهجرة الثانية وكى تصبح الدعوة للدين الحق مؤازرة ومؤيدة بحجة بالغة، حكمة الله الحكيم العليم. وصف نفسه تعالى بالحكيم ووصف نفسه بالعليم، كلاهما يسطر فى الذكر الحكيم بحروف من نور مبهرة للعقول، أكثر ما تكون فى المنهاج ومثانيه وأبوابه الإثنى عشر. مشوار ليس فيه ميسرة إزاء من يدعون الألوهية بالعلم، مطلوبه العزم وإنفتاح العقول، وإزاء الحرب الضروس على الإسلام. المطلب ذو شقين، الدفاع فى هذه الحرب الشرسة بالإرهاب وغيره، وفى الدعوة إلى عبادة خالق العباد بدلا من العباد المخلوقين. فلتهاجروا مرة ثانية، يثبكم الله من فضله، ينصر من ينصره بإذنه أرحم الرحمين.
والله أعلم بالحق فيما سطر، هو الهادى إلى الصراط المستقيم وبه التوفيق والرشاد، نحمده ونشكره ونستهديه.
- 852 views
طلع البدر علينا وتصدع الجبل.
طلع البدر علينا وتصدع الجبل.
بسم الله الرحمن الرحيم:
* لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *
صدق الله العظيم
في ذكرى مولده، صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله هذا العام 1436ه، وكل عام وأنتم بخير أمة الإسلام، ننظر في معاناة الوحي واصطفاء النبوة، تفسيرا وتأويلا للآية الكريمة. فيما قاله المفسرون، رحمهم الله:
الطبري:
>يقول جلّ ثناؤه: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، وهو حجر، لرأيته يا محمد خاشعاً يقول: متذللاً، متصدعاً من خشية الله على قساوته، حذراً من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخفٌ، وعنه، عما فيه من العِبَر والذكر، مُعْرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وَقْراً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لرأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ" إلى قوله: "لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، قال: يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله عز وجل الناس إذا نزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال:
* كذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَال للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: "لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَل لرأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ... " الآية، يعذر الله الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحداً قطّ تصدّعت جوانحه من خشية الله؟.
* وَتِلكَ الأمْثالُ نَضْرُبها للنَّاسِ *
يقول تعالى ذكره: وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جلّ ثناؤه إياهم أن الجبال أشدّ تعظيماً لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها.
وقوله: "لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، يقول: يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق<.
القرطبي:
>حث على تأمّل مواعظ القرآن، وبيَّن أنه لا عذر في ترك التدبُّر؛ فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبالُ مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه، ولرايتها على صلابتها ورزانتها خاشعةً متصدّعةً؛ أي متشقِّقةً من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق. وقيل: «خِاشِعاً» لله بما كلّفه من طاعته. {مُّتَصَدِّعاً} من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه. وقيل: هو على وجه المثل للكفار.
قوله تعالى:
* وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ *
أي إنه لو أنزل هذا القرآن على جبل لخشع لوعده وتصدّع لوعيده؛ وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده، ولا ترهبون من وعيده! وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي لو انزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، وتصدع من نزوله عليه؛ وقد أنزلناه عليك وثبَّتْناك له؛ فيكون ذلك امتناناً عليه أن ثبّته لما لا تثبت له الجبال. وقيل: إنه خطاب للأمة، وأن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله. والانسان أقل قوةً وأكثر ثباتاً؛ فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على ردّه إن عصى؛ لأنه موعود بالثواب، ومزجور بالعقاب<.
الشوكاني:
>لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة وأهل النار، وبيّن عدم استوائهم في شيء من الأشياء ذكر تعظيم كتابه الكريم، وأخبر عن جلالته، وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب، وترقّ له الأفئدة، فقال:
* لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ *
أي: من شأنه، وعظمته، وجودة ألفاظه، وقوّة مبانيه، وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض لرأيته مع كونه في غاية القسوة، وشدّة الصلابة، وضخامة الجرم خاشعاً متصدعاً، أي: متشققاً من خشية الله سبحانه، حذراً من عقابه، وخوفاً من أن لا يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، وهذا تمثيل وتخييل يقتضي علوّ شأن القرآن وقوّة تأثيره في القلوب، ويدلّ على هذا قوله:
* وَتِلْكَ ٱلأمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون *
فيما يجب عليهم التفكر فيه؛ ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر، وفيه توبيخ، وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره، والخاشع: الذليل المتواضع. وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، ولتصدّع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك، وثبتناك له، وقوّيناك عليه، فيكون على هذا من باب الامتنان على النبيّ، صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي<.
مبدئية التفسير على ظاهر القول إنها موعظة للكفار مبنية على صفات القرآن كما قالوا: "لو خوطب بهذا القرآن الجبالُ مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه"، "لو أنزل هذا القرآن على جبل لخشع لوعده وتصدّع لوعيده"، "شأنه، وعظمته، وجودة ألفاظه، وقوّة مبانيه، وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب<." ...
من حيث أن خشوع الجبل وتصدعه مثل يضرب به، فهذا يعنى متشابها يلزمه التأويل، وتأويله قاربه المفسرون في الشطر الثاني مما قالوه: "وقيل: الخطاب للنبيّ، صلى الله عليه وسلم، أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، ولتصدّع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك، وثبتناك له، وقوّيناك عليه، فيكون على هذا من باب الامتنان على النبيّ، صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي."
ضرب الله الأمثال كي يتفكر الناس، قوله: "لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". فإن كان ذلك مطلقا إلا أن المخصوص به هو التفكر في هذا المثل، كيف تخشع الجبال وتتصدع، فلا يسوغ التفسير على الظاهر مع مطلوب التفكر والآية الكريمة من المتشابهات، ما قاله الطبري: "ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق". الحقيقة في تأويل الآية الكريمة - والله أعلم - هي أنها عن الوحي وأثره على النبي صلى الله عليه وسلم، الوحي كيف ينزل على الأنبياء والرسل. أنه ظاهرة غير طبيعية لا تطيقها وتعجز عنها الجبال كناية عن شدة الأثر والمعاناة، حباهم بها سبحانه وتعالى، خاصة محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وتسليمه. تصوير ذلك الخشوع وذلك التصدع في أحاديث أم المؤمنين عائشة، رضى الله عنها وأرضاها، عن الوحي:
* حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها: "أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:
"أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول."
قالت عائشة رضي الله عنها: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا".
"حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال:
"اقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ؟، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ؟، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال:
* اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم *
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال:
"زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:
"لقد خشيت على نفسي"
فقالت خديجة: "كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق" ......
قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه:
"بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني".
فأنزل الله تعالى: "يا أيها المدثر قم فأنذر" إلى قوله: "والرجز فاهجر"، فحمي الوحي. وتتابع تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح وتابعه هلال بن رداد عن الزهري وقال يونس ومعمر بوادره< ا.ه.
المصدر: موقع "الإسلام".وفيه تخريج الحديثين.
------------------------------------------
قاموس اللغة يؤيد - بعون الله - ما ذهبنا إليه من تأويل. يقولون أن حرف "لو" حرف امتناع الامتناع، ينفي الثابت ويثبت المنفي. وعليه فنزول القرآن على جبل ممتنع بالطبيعة، يترتب عليه امتناع الأثر، انتفاء السبب عن المسبب به. البديل والحقيقة أنه نزل على محمد، صلى الله عليه وسلم، من ثم كان الحديث عن ظاهرة الوحي وأثرها على النبي، أن ما كان يحدث له عند الوحي تتصدع له الجبال وقد ثبته الله لطاقته واحتماله، كان يبلغ منه الجهد ويتفصد عرقا ويسأل أن يزملوه، ما ورد في أحاديث أم المؤمنين رضى الله عنها.
دليل ثان في قوله الحكيم العليم:
* يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * (المزمل: 1 - 5)
جاء في حديث عائشة، رضى الله عنها، مسألة التزميل، فكان يطلب، صلى الله عليه وسلم، أن يزملوه بعد لقائه بجبريل عليه السلام. متى زملوه يناديه ربه أن يعد نفسه بقيام الليل للقاء القادم بإذنه تعالى، حيث سيلقى عليه الوحي ثقيلا تتصدع به الجبال الرواسي. اتفق المفسرون على أن القول الثقيل هو القرآن الكريم. ربما - والله أعلم - كان التزميل في الآية مترتب على إلقاء القول الثقيل، لأن هنا متشابه دليله التنقيص والتزيد، ما لا يجتمع في تكليف. يؤيد ذلك الترتيب الطلب بأن يرتل، صلى عليه وسلم، ما نزل عليه من القول الثقيل بعد قيام الليل. الحادث هو إلقاء القول أولا فالتزميل فالقيام فالترتيل. أهل السيرة عندهم القول الفصل.
التراتب الذي تطرقنا إليه ليس من الأهواء، نستغفره ونتوب إليه، إنما هو قاعدة تأويلية منشؤها الذكر الحكيم. قال الحكيم الخبير:
* وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * (الكهف: 83 - 5)
كرر قوله تعالى: "فأَتْبَعَ سَبَبًا" ثلاث مرات في سياق واحد الحديث عن قصة ذي القرنين، آيات 85، 89، 92، ما يعنى أنها من المنهاج وطرق تأويله. أن تستدل على تسلسل الأحداث وترتيبها بتتابع السبب والمسبب. ألا ترى أنها قرنت مرة بحرف الفاء التي تفيد التتابع والسببية والتعقيب في اللغة، وقرنت مرتين بحرف "ثم" الذي يفيد التتابع أيضاً ولكن مع التراخي كما يقول أهل اللغة؟
فإن لم يكن التتابع في النص القرآني يرتب المسبب على سببه، علمنا أن هنا متشابه يلزمه التأويل، وتأويله يشمل التسلسل والتتابع المنطقي ثم الوقوف على مضمونه الحقيقي، لأن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ما دأب عليه علماء الإسلام ومفكروه في درء التعارض في النقل.
الأمثلة كثيرة منها حالتنا هذه، تسبيب التزميل على الإلقاء، وترتيب القيام بعد التزميل، ثم الترتيل بعد القيام، وقد جاء الإلقاء متأخرا في الآيات الكريمة وهو الأول بالأسباب.
في قصة ذي القرنين مثال ثان، فقد بدئ بمغرب الشمس ثم مطلعها، والطبيعي هو العكس، للتدليل على مقام قوله: "فَأَتْبَعَ سَبَبًا"، من أنه مطلب التأويل. أن التسلسل هنا لا يتبع ترتيب الأحداث منطقيا أو طبيعيا، فدل ذلك على أن هنا متشابه يلزمه التأويل. ليس التأويل فقط بالنظر في التسلسل المنطقي إنما المقصد في المضمون علم، كقوله في مسرى القصة: "فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ" من الإعجاز العلمي.
مثله قوله تعالى:
* اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ* (القمر: 1)
لا يعرف اقتراب الساعة إلا بعد أن ينشق القمر، وقد عكس الترتيب في الآية. فإعلام الناس باقتراب الساعة دليله انشقاق القمر، وهو التراتب الصحيح بعون الله. كما أسلفنا أن متشابه التتابع تحته علم جم، فكيف ينشق القمر ولماذا؟ هذا هو الإعجاز والتحدي المطروح للذين يسعون معاجزين في آيات الله في الأرض والسماء. إجابته تندرج في البرهان على الخلاق العليم. لو اقتصر التأويل على التتابع في حد ذاته لكان الثمن القليل، نستغفره ونتوب إليه.
دليل آخر في قوله تعالى:
* وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ * (الأعراف: 4)
الهلاك مترتب على البأس الذي يجئ أولا في تراتب السببية، وقد جاء متأخرا في الآية الكريمة. قيل في التفسير أن المراد من قوله: "أَهْلَكْنَاهَا" هو "إن أردنا إهلاكها" لدفع التعارض في التراتب، وهو ضعيف لأنه استبدال الدليل وتحريفه عن مواضعه، فقد قال جل شأنه في موضع آخر يعنى محكمه: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا"، فليس المراد كما يقولون، إنما يلزمه التأويل على قاعدة تراتب الأسباب لا استبدال الدليل. من ذلك تثبت قاعدة التأويل القرآنية في قوله: "فَأَتْبَعَ سَبَبًا". والقرآن يفسر بعضه بعضا لا يفتقر إلى وضعيات.
الإقرار بها في قول الحكيم العليم:
* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّـهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ * (البقرة: 166 - 7)
تقرير لا شبهة فيه من تقطع الأسباب في تتابع الأحداث. كررت "تبرأ" و"إتبعوا" ثلاثا على الجذر، دليل منهاج المثانى. فارتبط تتابع السبب هناك في سورة التأويل الكهف بتقطع الأسباب هنا في البقرة، كلاهما في الموضوع تتابع الأحداث بأسبابها. فإن تقطعت الأسباب في تراتب الأحداث لزم التأويل، وكان المضمون المرجوح من المنهاج ومثانيه موضوعا. منه ندرك مدى مكانة العقل ومطلبه في التدبر. محكمه كثير أيضا في الذكر الحكيم، مثل قوله جل شأنه:
* أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * (الزمر: 21)
كرر حرف التتابع ثلاثا، ما يشير إلى منهاجية وما يستلزم النظر في الأسباب علميا كل على حدة بالتخصيص، مطلوب قوله: "لِأُولِي الْأَلْبَابِ"، البرهان على قدرته العلى القدير. المقرر فيها التتابع على أسبابه محكما، ليس متقطعا كما في حالتنا التي هي بذلك من المتشابهات. ذكرنا من قبل أن كل تكرار من المتشابه مطلوبه التأويل، فكون حرف التتابع يستلزم التأويل بالأسباب، ولأن فيه تكرار، لا يتعارض مع كون التراتب محكما. والله أعلم به التوفيق.
وعليه فما جاء في أحاديث عائشة رضى الله عنها يتماشى مع التأويل الذي نسعى إليه. منه أنه تعالى قال: "لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا"، وفي حديثها أن محمدا عليه الصلاة والسلام عندما بصر ملاك السماء جبريل عليه السلام أصابه الرعب وطلب أن يزملوه، الإبصار في حديثها يفسر بالوقائع الرؤيا في الآية الكريمة.
من نافلة القول أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان فيه الخشوع لله بطبيعته حتى أوصله الوحى إلى الرعب والفزع عندما يلتقي وملاك السماء. لكنه من جهة تكوين النبوة كان رابط الجأش بإيمان لا يتزعزع بما حباه الله به وما كلفه به من تبليغ الرسالة. من جهة ثانية أن الله ثبته لتلقى الرسالة كما قال المفسرون. في ذلك قوله الرؤوف الرحيم:
* وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ * (آل عمران: 144)
جمهور المفسرين حمل المعنى على فوات الرسول صلى الله عليه وسلم مثلما فات الرسل من قبله، لا تحتاج في نظرنا إلى تقرير فتأكيد بعدها في قوله تعالى: "أَفَإِن مَّاتَ"...الآية، إنما فيها استثناء قوله: "إِلَّا رَسُولٌ" فتمييز لمحمد، صلى الله عليه وسلم، الذي خلت الرسل من قبله عن مثله. أحجم المفسرون عن الوقوف عند الاستثناء لأنه جلت حكمته قال:
* آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * (البقرة: 285)
لا تفرقة بينهم عليهم الصلاة والسلام في التوحيد وفحوى الرسالة وطاعة الله، فوقع الفارق أو التمييز في نزول القرآن. أنه لم يكن هناك من قبل رسول مثله في تلقى الوحي، كما كان هناك بينهم فارق في المعجزات المؤيدة. جاء الاستثناء أيضا مع عيسى بن مريم عليه السلام، قول الخالق البارئ:
* مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ * (المائدة: 57)
أن لم يشبهه أحد من الرسل قبله، ليس في الرسالة والتوحيد وطاعة الله، إنما النبوة ودعائمها، ضمنها وأولها أنه إعجاز الخالق بلا أبوة، لذا قرنه بالأم صديقه. فوقع الاستثناء عن الرسل من قبله في الخلق ابتداءاً. ثم التأكيد الثالث في الاستثناء جاء عاما في خطاب الخلاق العليم لرسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم:
* وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ * (يوسف: 109)
الاستثناء منبعه المنشأ من أهل القرى أولا ثم الفضل بالوحى ثانيا، بمعنى الاصطفاء. استثناء لهم من بين المؤمنين بالله وتفضيلا. ينسحب الاستثناء على كل الأنبياء، لا يستثنى منهم متلقى الخطاب صلى الله عليه وسلم، مفروغ منه بالوحى، مقصده الاستثناء في النبوة. كرر قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم" ثلاث مرات على مدار الذكر الحكيم، فإسناد للمنهاج الذي عليه الأنبياء جميعا، مثله مثل العقيدة سواء بسواء.
يقول العزيز الحكيم:
* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّـهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ * (البقرة: 253)
بينما لم يفرق بينهم هناك في فحوى الرسالات والتوحيد، فضل بعضهم على بعض هنا درجات.
التفضيل بالبينات والدرجات فيها، وفي المقومات الشخصية للنبوة، لا من حيث هو رسول أو نبي. مثل أن موسى عليه السلام كلمه الله. ثنى المقصود فحدد مناط التفضيل وفي ماذا الدرجات فضرب مثلا ثانيا بالبينات المعجزات المؤيدة لعيسى بن مريم عليه السلام ومنها الروح القدس. منه أن لا فارق من حيث الرسالة وفحواها ومقاصدها بين الأنبياء والرسل، إنما الفارق في النبوة ودعائمها، ثابت دلائله في الذكر الحكيم لا يحتاج إلى كثير بيان على ما راينا. فإبراهيم استعصاه الله على النار دون غيره، ويوسف علمه الله التأويل دون غيره، وسليمان سخر له الله الريح دون غيره، وموسى كلم الله دون غيره، وعيسى كان يحيى الموتى بإذن الله دون غيره، ومحمد أسرى به الله ورأى الله دون غيره، عليهم الصلاة والسلام. المقصد أنه عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله لم يعاني ويقاسى أحد من قبله ما عاناه وقاساه مع نزول القرآن، بل لا يصبر على شدائد وحى القرآن أحد مثله، لم يتصدع به ولم يصدع عنه، وإن تصدع الجبل به كناية عن شدائده.
لقد أوحى جل فضله إلى أنبيائه، كما أوحى إلى أم موسى وإلى مريم وإلى النحل، لكن الوحي بالقرآن مع محمد عليه الصلاة والسلام طابع وكيفية مختلفة، أن كان مع ملاك السماء جبريل عليه السلام وجها لوجه، فيتمثل له بشرا حتى كان يضمه إليه ويقرئه القرآن، ما تحدثت به ونقلت عنه أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها. يقارب ذلك أن تمثل بشرا سويا لمريم الصديقة، والتشبيه التمثيلي ليس بالتطابق كما هو معروف في اللغة، ولو تطابق لكان كفرا. ما يدخلنا في حجاج الوحى وطبيعته وكيفيته، لا يتسع له المقام.
في المعنى مما سبق خاتمية الرسالة، وما يفضي بنا إلى اصطفاء النبوة موضوع مقالتنا التالية في المقام بإذنه تعالى هو نعم المولى ونعم المستعان. والله أعلم.
كل عام وأنتم وأمة الإسلام بخير وسلام على هدى من الله واقتداءاً برسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم.
-----------------------------
يناير: 2015
- 311 views
وطلع البدر علينا بنور الحق.
وطلع البدر علينا بنور الحق.
تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف:
>يرجع المسلمون الذين يحتفلون بالمولد النبوي بداية الاهتمام بيوم مولد رسول الإسلام إلى النبي محمد نفسه حين كان يصوم يوم الاثنين ويقول "هذا يوم وُلدت فيه"[13]، وحسب أبو شامة، فإن الملاء هو أوّل من قام بالاحتفال بالمولد.[14] فيما يذكر الإمام السيوطي أن أول من احتفل بالمولد بشكل كبير ومنظم هو حاكم أربل (في شمال العراق حاليًا) الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين[15]، والذي وثقه علماء السنة بأقوالهم:
قال السيوطي وابن كثير: أنه أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وكان له آثار حسنة، وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون.
قال ابن خلكان في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن دحية: «كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم من المغرب فدخل الشام والعراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي فعمل له كتاب (التنوير في مولد البشير النذير)، وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار»[16].
قال الحافظ الذهبي: كان متواضعا خيرا سنيّا يحب الفقهاء والمحدثين[17].
قال ابن كثير: كان الملك المظفر يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهمًا شجاعًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً.[18]>
عن الويكيبيديا
-------------
المعسرون يريدون الحجر على الناس بعقول مظلمة وتلبيسات إبليس، تحويل العادة إلى سنة مثل ما قيل في النقاب، ومثل اعتبارهم المسيحيين كفار، يقول أحدهم:
< فنقول :هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجوداً قبل موت الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله - تعالى - يقول : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول ،عليه الصلاة والسلام، وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكل هذا من العبادات ؛ محبة الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، عبادة بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول، صلى الله عليه وسلم ، أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ، وتعظيم الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، من العبادة ، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من الدين أيضاً لما فيه من الميل إلى شريعته ، إذاً فالاحتفال بمولد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، عبادة وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أبداً أن يحدث في دين الله ما ليس منه. >
المصدر:طريق الاسلام
-------------------------------------------------
من الميسرين بعقول ستنيره بنور الحق، الاجتهاد من باب واسع و"إجماع" المسلمين على مدى قرون طويلة، ما هو من الأصول، لنصرة الدين القيم ورسوله المصطفي، عليه الصلاة والسلام:
< قيل في الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم عن سبب صيامه يومي الاثنين والخميس فقال "هذا يوم ولدت فيه وهذا يوم ترفع فيه الاعمال وأحب ان يرفع عملي وانا صائم " صدق الرسول الكريم.
وقيل:
وللحافظ السيوطي رسالة سماها "حسن المقصد في عمل المولد"، قال: "فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟ والجواب عندي: أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرءان، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي، صلى الله عليه وسلم، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء" وإن كان الحديث واردًا في سبب معين وهو أن جماعة أدقع بهم الفقر جاءوا إلى رسول الله وهم يلبسون النِّمار مجتبيها أي خارقي وسطها، فأمر الرسول بالصدقة فاجتمع لهم شىء كثير فسرّ رسول الله لذلك فقال: "من سنَّ في الإسلام ..." الحديث. وذلك لأن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، ومن أنكر ذلك فهو مكابر ولا حجة ولا عبرة بكلامه. ثم الاحتفال بالمولد فرصة للقاء المسلمين على الخير وسماع الأناشيد المرققة للقلوب و إن لم يكن في الاجتماع على المولد إلا بركة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه و سلم لكفي. >
المصدر: اهل السنة والجماعة
---------------------------------------------------------------
ونحن نضيف قوله جل شأنه:
* إنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * (الأحزاب: ٥٦)
فكم من صلاة وسلام عليه أشرف الخلق وخاتم الرسل والأنبياء في ليلة غراء تحيي ذكرى مولد الهدى بنور الحق وفي ذلك فليفرح المسلمون؟
< يقول الله في محكم كتابه:
* وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا* (النساء: 115)
استدل بهذه الآية علماء الإسلام على أن المخالف لما أجمع عليه المسلمون، متبع لغير سبيل المؤمنين، وخارج عنهم، وبهذا استدل الشافعي، رحمه الله، وغيره على تحريم مخالفة الإجماع. مع الروايات عنه، صلى الله عليه وسلم، أن هذه الأمة: “لا تجتمع على ضلالة”. >
--------------------------
" ولد الهدى" لأمير الشعراء احمد شوقي في مدح رسول الله، صلى الله عليه وسلم:
ولد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسم وسناء
الروح والملأ الملائك حوله *** للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي *** والمنتهى والسدرة العصماء
والوحي يقطر سلسلا من سلسل *** واللوح والقلم البديع رواء
يا خير من جاء الوجود تحية *** من مرسلين إلى الهدى بك جاؤوا
بك بشر الله السماء فزينت *** وتوضعت مسكا بك الغبراء
يوم يتيه على الزمان صباحه *** ومساؤه بمحمد وضاء
يوحي إليك الفوز في ظلمائه *** متتابعا تجلى به الظلماء
والآي تترى والخوارق جمة *** جبريل رواح بها غداء
دين يشيد آية في آية *** لبنائه السورات والأضواء
الحق فيه هو الأساس وكيف لا *** والله جل جلاله البناء
بك يا ابن عبدالله قامت سمحة *** بالحق من ملل الهدى غراء
بنيت على التوحيد وهو حقيقة *** نادى بها سقراط والقدماء
ومشى على وجه الزمان بنورها *** كهان وادي النيل والعرفاء
الله فوق الخلق فيها وحده *** والناس تحت لوائها أكفاء
والدين يسر والخلافة بيعة *** والأمر شورى والحقوق قضاء
الاشتراكيون أنت أمامهم *** لولا دعاوي القوم والغلواء
داويت متئدا وداووا طفرة *** وأخف من بعض الدواء الداء
الحرب في حق لديك شريعة *** ومن السموم الناقعات دواء
والبر عندك ذمة وفريضة *** لا منة ممنوحة وجباء
جاءت فوحدت الزكاة سبيله *** حتى إلتقى الكرماء والبخلاء
انصفت أهل الفقر من أهل الغنى *** فالكل في حق الحياة سواء
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا *** منها وما يتعشق الكبراء
زانتك في الخلق العظيم شمائل *** يغرى بهن ويولع الكرماء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى *** وفعلت ما لا تفعل الأنواء
وإذا عفوت فقادرا ومقدرا *** لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب *** هذان في الدنيا هما الرحماء
وإذا خطبت فللمنابر هزة *** تعرو الندى وللقلوب بكاء
وإذا أخذت العهد أو أعطيته *** فجميع عهدك ذمة ووفاء
يامن له عز الشفاعة وحده *** وهو المنزه ماله شفعاء
لي في مديحك يا رسول عرائس *** تيمن فيك وشاقهن جلاء
هن الحسان فإن قبلت تكرما *** فمهورهن شفاعة حسناء
ما جئت بابك مادحا بل داعيا *** ومن المديح تضرع ودعاء
-----------------------
كان أمير الشعراء في هذه القصيدة وكأنه فيلسوف الإسلام المبدع يسطر الحكم بما أنزل الله وجيزا وفصيحا كما جاء به المصطفي صلى الله عليه وسلم. فالسؤال هنا: هل حقيقة أن الإسلام دين الاشتراكية؟
العجيب أن أمير الشعراء لم يدع المديح بقدر ما هو تضرع لله ودعاء له جل ذكره، وفي دعوته الاشتراكية التي طبقت بالفعل في مصر بعد نظم القصيدة بحوالي سته عشرة عاما (1962). فهل استجاب سبحانه وتعالى لدعاء الأمير وكوكب الشرق والفرقة العازفة وهيئة الإذاعة والناشرين وكل من حضر حفلات أم كلثوم وصفق لها وأرسل الآهات في أثير مناجاة الله وكل من استمع للقصيدة تشدى عبر الأثير؟ لله في خلقه حكم وهو دائما يذكر الناس بإبداعه وإعجازه في السماوات والأرض. ربما كان هنا، والله أعلم، برهان على أن الله يستجيب لدعاء الصادقين في إيمانهم، هو نعم السميع المجيب، سبحانه وتعالى جلت قدرته.
-----------------------------
الإنشاء: Minhageat.com
مارس 2013
- 15 views