تأويل:
تأويل:
المرجعية:
قوله تعالى: ** وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗوَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ **
الموضوعات:
- 9 views
الدلالة أفقيا ورأسيا.
الدلالة أفقيا ورأسيا.
القول الثاني: أنه اسم للشهر كشهر رجب وشعبان، ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه:
الأول: ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطر وجه الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ويطهر قلوبهم.
الثاني: أنه مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس، والإسم الرمضاء، فسمي هذا الشهر بهذا الإسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع أو مقاساة شدته، كما سموه تابعاً لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم، وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، وقيل: سمي بهذا الإسم لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله".
الرابع: لو صح قولهم: إن رمضان اسم الله تعالى، وهذا الشهر أيضاً سمي بهذا الإسم، فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت، وهذا الشهر أيضاً رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته.> أ.ه.
ثلاثة وجوه:
الأول: كما قلنا من قبل أنه الشهر الذى يقضى على شرور كثيرة فى دواخل الإنسان، فى التفسير إجابة لم هذا الرمض وفيه تيسير على العباد؟ تطهير النفس من الذنوب كما قال شيخنا والإجماع، فبعض الدواء من المر. تطهير النفس من الذنوب يعنى الفوز بدار السلام، مفاد التيسير فى الشريعة الغراء. وكما قال الرؤوف الرحيم:
الثانى: أن الشرور فى دواخل الإنسان لا تقتصر على النفس إنما تشمل الأبدان، ما أثبته العلم الحديث أن رمضاء رمضان تشفى من الأمراض.التى منها أيضا شرور الأفئدة والعقول، الآيات القادمات فى الآفاق. فهل نكون قد جئنا بتفسير جديد لو قلنا أن الصيام يشفى من السمنة مثلا؟ كذب أعداء الإسلام والوضعيون، لسنا فى حاجة إلى تفسير جديد فى كل عصر. فإذا قال الرازى أن رمضان يحرق الذنوب، ثم جاء الطبيب فى العصر الحديث ليقول "مثل" ما قال الرازى ولكن فى البدن، فهو إضافة جديدة عصرية ومستحدثة تثبت بالدلائل المادية القاطعة أن الله تعالى رحيم بعباده فى التيسير عليهم إن حملوا التكليف. دلائل الرازى لغوية عقلية، ودلائل الطبيب روشتة المرض. كلاهما برهان للمعنى المضمر فى اللفظ والمقصود فى التشريع، لم يتبدل مع الزمن، أو كما يحلو للوضعيين أن النص تاريخى، لا فض فيهم.
الثالث: مطابقة اللفظ للمعنى الذى يحمله، الإسم والمسمى، ثنائية الشكل والمضمون فى المنهاج. هذه المطابقة فى معنى آخر هى الصدق فى التعبير، وهى فى الفلسفة من صفات الجمال, فرمضان من الرمضاء، كل الأنواع، يقضى على الشرور بما يعنى التيسير على البشر فى دنياهم ولينالوا الظفر بالآخرة أيضا. فى الدنيا ما أثبته العلم حديثا، وفى الآخرة ما قاله الأوائل رحمهم الله. فهل إمتلأ اللفظ "رمضان" بالرمضاء التى تزيل وتقضى على الشرور فى دواخل البشر؟ الغيب فى علم الله وفيه دلائل جديدة على المعنى الأصلى. فى المنهاج قوله تعالى:
الرازى عنده دليل والطبيب أضاف دليلا ثانيا، وغدا تثبت دلائل أخرى لنفس القول، أو الدليل اللغوى، مفاد قوله تعالى: "هَلْ مِن مَّزِيدٍ". لا تنفى إحداها الأخرى - كما يفترى على الله الوضعيون بتاريخيتهم - إلا بدليل، إنما زيادة فى الدلالة كلما زيد الناس من علم الله فى الكون والأنفس سواء. هى دلالة فى علم الله وحده إلى أن تثبت بالقرائن على مر العصور، مبنية على مفهوم خاتمية الرسالة.
القرآن حمال أوجه، قول على رضى الله عنه، وهذا وجه من أوجه تأويل "جَهَنَّمَ"، داخل فى مفهوم خاتمية الرسالة. وحمال أوجه بمعنى المزيد فى الدلالة أيضا، ففى كل وجه منها دليل، لا يجب إحداها الآخر إلا بدليل نفى، إنما الإضافة فى دلالة "القول". لنا أن نفرق بين الزيادة الأولى على مر العصور كالدلائل العلمية العصرية، حينئذ تسمى "دلالة عصرية" لا تاريخية، وبين الزيادة من حيث الوجه فى التأويل. الأولى ليس لها حد معلوم، مفتوح على مر الزمن بمقتضى تقدم العلوم، ربما أثبت العلم المزيد من الدلالة، وربما لا يثبت. أما الثانية فمقصورة، أن يكون مثلا أحد أوجه الدلالة شرعى، والثانى عقيدى، والثالث منهاجى، أو كما جاء فى الذكر الحكيم أن يكون أحد الأوجه محكما والثانى متشابها، قوله تعالى:
* وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * ﴿الأنعام: ١٤١﴾
ليس هنا تعارض، فدلالة المتشابه تحتمل أكثر من وجه كما فى قوله تعلى "نَقُولُ لِجَهَنَّمَ"، وجه عقيدى، ووجه منهاجى. فى مثالنا عن رمضان، دليل الرازى عقيدى، الوجه الأول، أن رمضان يغسل الأبدان ويطهر الأمة من الذنوب. أما دليل الطبيب فمنهاجى، فيه الشفاء من علل طبيعية، وهو الوجه الثانى، يندرج تحت دلالة الإعجاز العلمى.
يمكننا القول بأن دليل الوجه دلالة أفقية، أما الأدلة العصرية فدلالة رأسية، أى تستند إلى نفس الوجه. كمثال وخاصة فى الدلالة المنهاجية، يمكن لدليل القول فى رمضان أن يأتى دليل علمى فى الشفاء من السمنة، وأن يأتى دليل آخر على الشفاء من أمراض المعدة، وربما غدا دلالة ثالثة للشفاء من أمراض نفسية، كلها مضافة إلى وجه واحد من التأويل، دلالة عصرية فى الإعجاز العلمى، دلالة رأسية محملة على دلالة أفقية واحدة، معينة ومحددة مسبقا، لا تنفى الدلالة على الوجهين الآخرين العقيدى والشرعىى، ولا تتعارض معهما، بل تتعلق بهما من جهة البرهان، مفاد قوله تعالى: "هَلْ مِن مَّزِيدٍ" على التوسعة رأسيا. إن قلنا دلالة شرعية فليس فيها من مزيد لأن دلالة الدليل الشرعى واحدة ليس فيها تعدد كما إتفق الأصوليون بناء على أنها دلالة محكمة. المزيد من جهتها مضاف إلى الأوجه الأخرى لا فيها نفسها رأسيا. أما الدلالة العقيدية فتحتمل المزيد رأسيا، كأن يكون فى جهنم دليل الترهيب ويكون فيها دليل الإيمان باليوم الآخر والحساب. والمزيد هنا ينطبق أكثر على الدلالة المنهاجية رأسيا، كما هو الحال مع رمضان، بقدر ما فى النص من ثراء المجاز. مثالنا فيه الإجمال، فإسم "رمضان" فيه الثلاثة أوجه الأفقية، وجه عقيدى مثل ما قال الرازى من رمض الذنوب يحتمل المزيد، ووجه شرعي بفرض الصوم وليس فيه مزيد، والثالث منهاجي فيه المزيد بفوائد الصوم وأدلته العصرية متعددة محملة رأسيا على وجه واحد منهاجى.
القاعدة المعروفة فى النحو أن "الزيادة فى المبنى زيادة فى المعنى"، تحنلف عن مقصدنا هنا، لأن الفرض الأصلى فى الدلالة أننا بإزاء لفظ أو منطوق أو دليل واحد، الإقتتاحية فى قوله تعالى: "مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ"، لا يعتبر فيه التغير النحوى لأنه نقل إلى دليل آخر. من ثم فقد ثبت بالدليل القرآنى، قوله تعالى: "يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ"، أنه من الممكن مع المجاز الزيادة فى المعنى دون الزيادة فى المبنى بإجراء الدلالة على بعديها الأفقى والرأسى بشروطها المذكورة، ويمكن إعتبار ذلك قانون من قوانين التأويل المنهاجية.
الإنشاء: [Minhageat.com]
- 42 views
د. أبوزيد يشرح كيف تجر العربة الحصان!
د. أبوزيد يشرح كيف تجر العربة الحصان!
الفصــل الرابع
الجــدل والبندوليــة
أ ) القراءة المنتجة، معلوم على مجهول !
يقول أبوزيد مؤلف "نقد الخطاب الدينى" تحت عنوان "القراءة المنتجة": "وإذا كان إكتشاف الدلالة لا يتم إلاَّ من خلال التفسرة بالمعنى الذى شرحناه من قبل، فإن بعدى عملية التأويل، وهما الدلالة والمغزى، يتوازيان مع الدلالتين اللغويتين لمصطلح التأويل كما سلفت الإشارة. يمثل إكتشاف الدلالة العودة والرجوع إلى الأصل، في حين يمثل الوصول إلى المغزى الهدف والغاية من القراءة" ]4أ4[. يؤسس كلامه على تعريفين ساقهما للدلالة اللغوية والدلالة الإصطلاحية، ورغم هذا فإن كلامه غير مترابط، ولا مرتب بعضه على بعض ترتيباً منطقياً فشابه الغموض. نعرف في اللغة أن "إذا" من أدوات الشرط، ولها جواب أو جزاء وهو "فإن" في كلامه، لكنهما هنا لا يترتبان على بعضهما وليست بينهما علاقة السبب بالمسبب أو الشرط وجوابه. فَبُعْدَا التأويل (الدلالة والمغزى) لا يتفرعان ولا يترتبان على إكتشاف الدلالة من جهـة السبب، وإن ترتباً عليها تعاقباً في سياق البحث المنهجى، أى أن تكتشف الدلالة أولاً ثم النظر في التأويل وبُعديْه ثانياً. كذلك ليس مفهوماً معنى التوازى ومفاده. فهل من التوازى في الفعل أم في الكيف بمعنى المرادف؟ سواء هذا أوذاك فالتوازى يعنى الإنفصال للمتوازيين في التصور، فعلاً أوكيفاً، كالخطين المتوازيين. أم هما الدلالتان اللغويتان للتأويل كما يقول بعد، لا من التعريف، ومن ثم لا توازى؟ أم هما مرادفان لهما ، وليس من توازى أيضاً؟ ثم ماذا عن قوله أنهما وجهان لعملة واحدة وليس من توازى فى هذا القول؟
على العموم يفهم من كتاباته في هذا الصدد أن طرفى التأويل هما الدلالة والمغزى، وبالتأويل تنتقل بينهما بداية ونهاية. فكيف يكون إكتشاف الدلالة عودة ورجوع إلى الأصل إذا كانت هى نفسها، أى الدلالة، دلالة على شىء آخر هو المغزى؟. المغزى هو المعنى الأصلى المقصود والحقيقى المراد كشفه. فإذا لم يكن المغزى هو الأصل فما الأصل الذى يقصده ويرجع إليه إكتشاف الدلالة؟ نستبعد تماما التفكير فى أن معنى كلامه هو بسط الظاهر الذى هو الدلالة على حقيقته بمقتضى لسان العرب، قول الامام الشاطبى، والخطوة الثانية فى التأويل كما سبق، لأن هذا المنحى غائب فى فكره عن الدلالة. لو كان هو المقصود بالرجوع إلى الأصل لم يكن خلاف. يجدر بالذكر أنه قال قبل ذلك: "أن التأويل هو إرجاع الشىء أو الظاهرة موضوع الدرس إلى عللها الأولى وأسبابها الأصلية" ]4أ1[. ماذا تكون العلل الأولى والأسباب الأصلية عنده سوى المغزى؟ إن لم يكن المطلوب كذلك فما هو المغزى الذى تكشف عنه عمليـة التأويل؟. هنا تخبط في الفكر والمفاهيم لا يجلى وضوحاً، ولا يساعد على فهم، ولا ينتج علماً، ولا يمثل شيئاً سوى تلويث العقول بطلاسم لا جدوى من ورائها سوى ذاك.
يستكمل كلامه عن القراءة المنتجة فيقول: "وتلتقى الدلالتين على المستويين اللغوى والإصطلاحى من خلال دلالة الصيغة الصرفية - تفعيل - للمصطلح، والتى تشير إلى حدث متكرر.. ومعنى ذلك أن التأويل حركة متكررة بين بعدى الأصل والغاية أو بين الدلالة والمغزى، حركة بندولية وليست حركة في إتجاه واحد. إنها حركة تبدأ من الواقع/المغزى لإكتشاف دلالة النص/الماضى، ثم تعود الدلالة لتأسيس المغزى وتعديل نقطة البداية. وبدون هذه الحركة البندولية بين المغزى والدلالة، يتبدد كلاهما وتتباعد القراءة عن أفق التأويل لتقع في وهـدة التلوين، وبعبارة أخرى تتحول من قراءة مشروعه - وإن كانت غير بريئة - إلى قراءة مغرضة" ]4أ4[. فلنقرأ معه من جديد:
أولاً : قولـه "إنها حركة تبدأ من الواقع/المغزى لإكتشاف دلالة النص/الماضى". لا أدرى لماذا ولا كيف ربط بين الواقع والمغزى بهذه الشرطة المائلة، علامة القسمة الرياضيـة، ولا ما هو مدلول هذه العلامة السيموطيقية في هذا الموضع؟ سنفترض أن هذه العلامة تعنى التكافؤ أوالبديل أوالمحل، بالرغم من أنه يجريها في كتابه على الجدل، أى أن هناك علاقة جدلية بين ما على جانبى العلامة، لكنها ليست مفهومة هنا. لا نتصور جدلية بين المغزى والواقع يترتب عليها إكتشاف دلالة النص/الماضى، ولا نتصور في هذه الأخيرة جدلية، أى كيف تتجادل الدلالة مع الماضى، بالضبط مثل أن يتجادل الكم مع الشكل وكل منهما في ثنائية مختلفة، الكم والكيف ثم الشكل والمضمون. على أية حال، بمقتضى التركيب اللغوى وهذا الفرض، يفهم أن الواقع وهو المغزى الذى ينتج من التأويل هو نقطة البداية وإكتشاف الدلالة موقوف عليه (الواقع أوالمغزى). يتضح ذلك أكثر من عبارته المستأنفة: "ومن الضرورى هنا التأكيد أن المغزى الذى يمثل نقطة البدء في القراءة مغزى إفتراضى جنينى قابل للتعديل أو النفى أو الإثبات طبقاً لما تنتجه اليه القراءة من دلالة". السؤال: كيف تكون نتيجة التأويل وهى المضمون أو الباطن أو الحقيقة، المعنى المضمر فى المجاز، التى هى مجهولة قبل التأويل، تكون هى نقطة البداية لمعرفة الدلالة وإكتشافها، ثم بعد ذلك إتيان التأويل لمعرفة الحقيقة التى نبدأ بها وكانت مجهولة؟. أى أن البداية والنهاية مجهولان، فلا ينتج المجهول إلاَّ مجهول مثله، لأن النتائج المنطقية تترتب على مقدمات منطقية، وقيل ما بنى على باطل فهو باطل. هذه حلقة مفرغة لا إنتاج منها مشروع أو غير مشروع، ملون أو بلا لون، وإن كان الأخير أقرب هنا. هذا إحتمال لمقصده. الإحتمال الثانى أنه يبدأ بالمغزى المراد الوصول إليه بعملية التأويل، يبدأ به معلوماً وإن كان من جهة الفرض. فإذا علم إبتداءاً فلم القراءة أصلاً ثم التأويل تبعاً؟. نعم فان فرض الفروض جائز ومطلوب فى البحث، لكن القراءة لا تتطلب الفرض فيما هو مخبر عنه. فالاخبار عن الشىء يختلف عما يترتب عليه الاخبار من معرفة ظنية أو يقينية تحتمل الفرض والخطأ والصواب.
المعروف والمعلوم في التراث الإسلامى أنك تصل إلى المضمون (المغزى) المجهول بإثباتك للشاهد عن طريق الدلالة المعلومة النصية، ثم التأويل صوب الحقيقة، بإختصار نقل المجاز إلى الحقيقة. فهنا بناء لمجهول هو الحقيقة المستفادة من التأويل على معلوم، هو الدلالة النصية والشاهد، لغوياً كان أو عقلياً أو علمياً، أى بناء لمجهول على معلوم. فكيف به يعكس ويبنى معلوماً على مجهول؟ الفروض تفرض بالإحتمال مؤسسة على أدلة للتوصل إلى الحقيقة. ذلك معلوم في البرهان وفي مناهج البحث العلمى ]19أ[، وهو الطريق الصحيح مع التأويل، لا العكس بناء الفروض بالإحتمال مؤسسة على الحقيقة (المجهولة أصلاً) للتوصل إلى الأدلة. هذا خلف لا شك فيه، نعتقد فى تسويغه على أسس من "ما بعد الحداثة" التى عكست معطيات الكون والحس والعقل سواء. فحواها: لم لا تسكن السماء بدلا من الأرض، أو أن تعبد الشيطان بدلا من عبادة الله (الفكرة التى انبثقت منها جماعات "عبدة الشيطان")، أو أن تنتهج الباطل بديلا عن الحق، أو أن يسبق الشارع الفن بدلا من أن يرتقى الأخير بالأول؟ قس على ذلك كثير من ثورية "ما بعد الحداثة" وتحررها من ملل الموضوع وسأمه الى رحابة الضد وحريته وجديته، ما هو انتقال ظلامى من خصوص الى خصوص. نفس النهج عند صاحبنا!
ليس هذا طريق للعلم إنما للجهل، فإن بقيت في المجهول، رتعت في الجهل. ندعو هنا إبن حزم الظاهرى ليجيب له في ترفق غير معهود منه: "وفي هذا عجب. أن الدليل على القول مطلوباً بعد إعتقاد القول، وإنما فائدة الدليل، وثمرة إنتاج ما يجب اعتقاده من أقوال. فمتى يهتدى من اعتقد قولاً بلا دليل ثم جعل يطلب الأدلـة بشرط موافقـة قولـه، وإلاَّ فهى مطرحة عنده؟" ]1[. أعجب من عجب إبن حزم أن تتحول القراءة المنتجة على يد صاحبها إلى قطعة من التراث، تجد فيه رداً جاهزاً عليها بهذه الكيفية. ولله في خلقه شئون. هذا الأمر من صميم الموقعة التى نطرحها في هذا الكتاب مع تعدد جوانبها.
الطريف أنه ذكر قبل ذلك في نفس الفقرة ما نصه : "فإن هذه الغاية [يقصد المغزى] لا يمكن الوصول إليها إلاَّ عبر إكتشاف الدلالة". هذا تعبير سليم مفهوم ومعلوم ومعقول ومعروفة أصوله. أما بناء الماضى على الواقع فلا نعرفه ولا يتصوره عاقل. فكانت البلبلة والخلط ديدنة. أما بناء دلالة النص على المغزى فهو هذا الذى تعجب منه إبن حزم، وقلنا فيه بأنه طريق الجهل باعتبار القراءة لا التأليف. لا غموض فيه إلاَّ غموض ربط دلالة النص بالماضى والمغزى بالواقع بهذه "الشرطة" المائلة. هنا فكر صمغى لزج، يتعارك مع آخر فوضوى فصلت فيه الدلالة عن المغزى في بداية الصفحة، فإختلط الحابل بالنابل عنده في صفحة واحدة، فما بالنا بالكتاب كله؟
ثانيـاً: كنا قد سألنا عن "الأصل" الذى يقصده، وقد علمنا الآن أن "الدلالة" هى "الأصل" التى تعود إليه، أى إلى نفسها بمجرد إكتشافها! ولا تعليق.
ثالثـاً: دعنا الآن من تحول غير البرىء المشروع إلى المغرض، فسنتناوله في موضع آخر، ولنستجلى الأمر الهام: لماذا كانت وكيف تكون البندولية في الجدل؟
فصل من كتاب "إشراق المنهاج" لإبن النيل.
****************************
تحديث:
تم تأليف الكتاب وأرسل للنشر فى عام 1995م. ما ذكر منه هنا هو كما هو دون تغيير. بعد 18 عاما هناك الجديد فى المادة العلمية الذى يمكن إضافته، تجد بعض منه على هذه المدونة، لكن التعقيب يتبع الحقائق التى تكشفت بالنسبة للحرب التحتية المعلنة على الإسلام. د. نصر حامد أبوزيد كان وقتها أستاذا مساعدا فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب / جامعة القاهرة، وكان كتاب "نقد الخطاب الدينى" ضمن بحوثه التى قدمها للترقية ولم ترض بها اللجنة الدائمة من ناحية دينية لا بحثية، ما هو نظرنا فيه، ورفضوا ترقيته إلى درجة أستاذ، ثم كانت قضية الحكم عليه بالردة والتطليق، فتأبط زوجته وهرب إلى هولاندا حيث أصحابه.
لا يعقل لمتخصص وباحث مثله أن يقول بالتوازى لعاملين هما وجهان لعملة واحدة، ولا يأتى بتلك البلبلة فى بحث أكاديمى سيوضع تحت مجهر لجان الترقية. إكتشفنا فيما بعد أن هؤلاء المنافقون والفاسقون العملاء يستخدمون النصوص والدراسات الدينية لتحميل شفرة تراسل سرية فيما بينهم. وحيث أن الدكتور الباحث لا يعقل أن يقع فى مثل هذا الخظأ العلمى المنهجى والبديهى، فنحن نستنتج أن الكتاب يحمل شفرة ما، ومع الشفرة لا يستقيم المنطق. أحد المطلعين بالأمر قال أن الشفرة يمكن أن تكون الكلمة الأولى من كل سطر، فإليها إهتمام التأليف، لا الموضوع أو المنطق. مثله الدكتور زغلول النجار الذى ينتمى لجماعة الإخوان المسلمين، والذى تتبع منهجه فى الإستدلال فأصبح عمله تنجيما لا إستكشافا للإعجاز العلمى فى القرآن الكريم، ما هو دلالة على أن هؤلاء يزيفون فى الإسلام ويستخدمون النصوص تشفيرا، وليس من علم يرجى من وراء ما يبيتون. وعلى الله قصد السبيل.
--------------------------
ابريل 2013
- 17 views