إعجاز:
إعجاز:
المرجعية:
قوله تعالى:* سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ *
الموضوعات:
- 1101 views
آية الطير فى الفاتيكان /1/ اعجاز أم طبيعة؟
آية الطير فى الفاتيكان /1/ اعجاز أم طبيعة؟
تمهيد:
مع بداية العام 2014م، في احتفالية شهدها عشرات الآلاف في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان، والملايين عبر شاشات العالم، بمناسبة اليوم السنوي للهولوكوست والذي يعقد الأحد الأخير من يناير كل عام، أطلق البابا فرانسيس الأرجنتينى مع طفلين من شباك القصر البابوي حمامتي سلام كالمعتاد، فإذا بطائرين، نورس وغراب، يهاجمان في تزامن عجيب الحمامتين بعد انطلاقهما بلحظات، على مشهد من الحضور والعدسات وأجهزة الإعلام العالمية. فماذا تقول الطير للبابا؟ أنه يظهر غير ما يبطن؟ رسالة من جنود الله في الأرض؟ في نظرنا هو إعجاز إلهي بلا شك، ورسالة لمن حرفوا الإنجيل ويؤمنون بالتثليث ويعادون الإسلام. وهي أيضا رسالة إلهية تقول للبابا، وللفاتيكان بالأولى، أنك لا تبغي السلام في الأرض. الاحتمال قائم ردا على الفساد والفضائح التي لا تنقطع.
مصدر الصور: NATIONAL GEOGRAPHY
من حيث المبتدي ننظر في مسألة ما إذا كان الحدث من كلمات الطبيعة كما يقول البعض، أنها طبيعة الطير، أم أن الطير تحمل رسالة ما ربانية، بمعنى ترميز الحدث، أنه يتطلب تأويلا مبنيا على أسباب ليست "طبيعية". بعد ذلك نبحث في مكانة الطيور في الإعجاز حسبما ورد في الذكر الحكيم، ثم نتناول بعون الله مسألة دلائل الإعجاز في ضوء ما حدث، والله المستعان جل فضله.
الملابسات:
عن طائر النورس:
من عجائبه أنه اعترض سباقا للخيل عند نقطة البداية ثم على الممر، مما أضر بالسباق.
المصدر eBaum's WORLD
وفي سباق للجولف اعترض ضربة البداية لاحد المتسابقين فأصابته في مقتل.
المصدرYouTube
)نعتذر عن الاكتفاء بإدراج رابط الفيديو حتى لا يكبر حجم المقالة، فهناك العديد منها في هذا الصدد. كما نعتذر إن كان الفيديو قد حذف بعد نشر مقالتنا.)
وفي الفاتيكان كان هجوم النورس أيضا مع بداية انطلاق الحمامتين، وإن لم يكن سباقا. ملابسات كل حالة تعتمد على العوامل والظروف المحيطة بها، إنما الترميز "لنقطة بداية" ما. أمر عجيب في الطائر لا يمت إلى صراع البقاء والإقتيات وتصيد الغذاء بصلة، ولا يمت إلى اللهو والتسامر المعتاد بين الطير والحيوانات. إلى هنا فالأمر من طبيعيات النورس في التوقيت، وإن رمز لشيء ما في الحدث نفسه. على سبيل المثال أن يكون في الحدث باطلا منذ البداية، وهي نقطة مهمة في حالتنا. ربما قال البعض بأنها مجرد صدفة واحتمالية بالانتشار. مردود عليه بأن الصدفة لا تتكرر بهذه النوعية بإرادة الطائر. شاهده كيف كان متعمدا في وقفته في طريق ضربة بداية كرة الجولف، والتعمد في الانقضاض على الحمائم في الفاتيكان. هذا السلوك الغير عادى يخرج الظاهرة من إطار الطبيعيات.
أما أن النورس من الطير الجارحة المفترسة التي تنقض على غيرها من الطير في الهواء للافتراس كالنسور فلم يقل به علماء وخبراء الطير. "النورس" غير مصنف مع النسر بهذه النوعية في عائلة واحدة (راجع "الويكيبيديا" التي تأخذ مادتها من المراجع العلمية). ينتمي النورس إلى عائلة "Charadriformes"، بينما النسر وأشباهه من الطير المفترسة"Birds of Prey"، أو الجارحة "Predators" فهي تنتمي إلى مجموعة من العائلات تسمى "Falconiformes"، ضمنها عائلة "Accipitridae" التي ينتمى إليها النسر والصقر.
المصدر الويكيبيدا
هناك من رصد النورس يقتات على طائر الحمام بعد قتله، مثل "صاحبنا" الذي كان يعمل في الفاتيكان ورصد نورسا يأكل الحمامة، ليبرهن على أن ما حدث لحمامتي السلام أمر طبيعي في ساحة الفاتيكان. هذه مغالطة لأن النورس لم ينقض في الهواء على "فريسة" ليفترسها فيقتل ويأكل، إنما يأكل ما كان قد قضى عليه أو ما فقد الدفاعات والقدرة على المناورة. وهي مغالطة لأن حمائم السلام التي أطلقت من قبل في يوم الهولوكوست لم يحدث لها ما حدث هذا العام، بالرغم من أن النورس لا يغيب عن ساحة الفاتيكان. وهي مغالطة من وجه ثالث، فلماذا يحتاج الفاتيكان إلى من يدافع عنه في هذه الحادثة؟ هل هناك اتهام ما يستدعى مثل هذا الدفاع ويستدعى استدعاء الدليل والشهود؟! سائغ أن كان ذلك للرد على الاتهامات العديدة التي وجهت للفاتيكان والبابا من الناحية الدينية على إثر ما حدث وأحدث ضجة إعلامية لفت العالم.
المصدرYouTube
المعروف عن طبيعة "النورس" أنه ينقض على مصدر الغذاء، لا الطير الأحياء منها ليفترسها. في هذا "الفيديو” انقض بالطبيعة متسارعا على ما في يد أحدهم من الغذاء وقضم منه قضمه. ومن سلوكياته العجيبة بمنطقة شاطئية في بريطانيا، أنه حرًم على ساعي البريد، بالذات ساعي البريد الذي كان امرأة، أن توزع البريد في صناديقه المعتادة، مما اضطرت معه إدارة البريد لأن تنصح أهل البلدة أن يحصلوا على بريدهم من بلد مجاور. الطائر هنا يهاجم البشر بطريقة انتقائية لسبب ما، قيل لون الملابس، ما ليس علميا وإلا كان قد حدث مع موزعي البريد في مناطق شاطئية أخرى. الإحتمال قائم أن يكون السبب احتواء حقيبتها على نوع من الغذاء، لكنه لم ينقض ليفترس أحدا.

المصدر يقول:
حتى أنه ضبط في بريطانيا "يسرق البضاعة" انتقائيا من السوق المركزي، طريق مسالم بلا فضاء، أفضل له وأسهل من عدوانية الطير الجارحة ومغامرات الفضاء. سلوك مسالم فيه ألفه مع البشر لم يثبت للطيور الجارحة مثل النسر والصقر.

عن الغذاء، تحدثت الويكيبيديا عن تنوع مصادره، أساسا على الأرض، ثم من المسطحات المائية بلا عمق، ونادرا التصيد في الفضاء، ولم تذكر شيئا عن اقتناص الطير في الفضاء. قيل عنه أنه من الطير الذكية التي تستخدم الأدوات في تصيد الغذاء والتعامل معه. والبعض يصفه بأنه طائر إرهابي دون قنص للفريسة في الفضاء لمثيله من الطيور. وقيل فيه أيضا أنه يرمز للانتهازية"Opportunism" أو فيه طابع الانتهازية، ينتهز الفرص للتقوت. نعتمد هنا على الموسوعات المعرفية التي تجمل الموضوع دون الدخول في تفاصيل وبحوث تتخذها كمصدر لمادتها، وليس مقامنا لها.
حول الغراب:
في الغذاء قالت دائرة المعارف البريطانية:
< Crows feed chiefly on the ground, where they walk about purposefully. They are omnivores that enjoy meat and may even attack and kill young, weak animals. This habit makes them unpopular with farmers, as does the bird’s propensity to raid grain crops. Berries, insects, the eggs of other birds, and carrion are also eaten. Crows will make off with shreds of roadkill and store tidbits in trees, catching the meat like a leopard does for later consumption. Sometimes they bury seeds or store them in crevices in bark. They occasionally steal food from other animals, sometimes cooperating with other crows to raid food from otters, vultures, and water birds.
ترجمة: <الغربان تتغذى أساسا على الأرض، حيث تستهدف الغذاء في مشيها. هي من الحيوانات التي تستمتع بأكل اللحوم، حتى أنها تهاجم وتقتل صغار الحيوانات الضعيفة. وهي كالعادة لا تحظى بشعبية لدى المزارعين، لأن الطائر يميل إلى مداهمة محاصيل الحبوب. تأكل أيضا التوت والحشرات وبيض الطيور الأخرى، والجيف. الغربان قبلتها الغذائية أشلاء ما يسقط من الأحياء، وتخزن الشهي من اللحوم في الأشجار تخزينا مؤقتا لتأكلها في وقت لاحق مثل النمر. في بعض الأحيان تدفن البذور أو تخزنها في الشقوق، أو تسرق المواد الغذائية من الحيوانات الأخرى. وأحيانا تتعاون مع رفيقاتها لمداهمة المواد الغذائية التي لدى ثعالب الماء والنسور والطيور المائية.>
دائرة المعارف لم تذكر شيئا، كما هو الشأن مع المصادر الأخرى، عن فرائس تقتنصها في الفضاء. قالت إن الغربان طير اجتماعي قد يصل عددهم في المستعمرات إلى المئات من الآلاف. اللافت للنظر أن الزوج والزوجة لهما عشهما الخاص مثل البشر. بل إن الزوج لا يتزوج من زوجة أخرى إلا في حالتين: العقم والوفاة، منع تعدد الزوجات! كما تعرف بأنها طير ذكية يمكنها عد الأرقام وتقليد الأصوات، بل قال آخرون أنها أذكى الحيوانات والطير مجتمعة، فنسبة حجم المخ إلى الجسد تقترب من النسبة الخاصة بالإنسان، تضاهي القردة العليا. مع هذه الخصائص يستبعد علميا أن تكون الغربان من القناصة أو المفترسة للأحياء من الطير، فلديها ذكاؤها ووسائلها الخاصة، التي منها أن تقذف بفتات الخبز في الماء حتى تتجمع الأسماك عند السطح فيسهل عليه اقتناصها. رصدت حالات فريدة عديدة لسلوكيات الغراب منها هجومه على "طائرة شراعية" حتى سقطت، ومنها مهاجمة "عصفور في عشه"، ومنها "مطاردة المارة" في منطقة باليابان.
من قبيل الأساطير "Mythology" في الثقافات المتعددة شرقا وغربا تذكر الويكيبيديا أن الغراب يرمز إلى ظاهرة الموت، وفي القرآن الكريم كان ذكره مع ظاهرة الموت أيضا، تعليم الإنسان كيف يوارى الموتى التراب، قوله تعالى:
* فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ * (المائدة: 31)
يصنف العلماء الغراب في عائلة الطير الغناء "Corvidae"، الفرع: "Passeriformes"، ليس في عائلة الطير المفترسة أو الجارحة. من هنا فليس من دليل علمي يؤيد كون سلوكها في الفاتيكان وانقضاضها على الحمائم سلوكا طبيعيا. يمكنك أيضا الاطلاع على موسوعة "الويكيبيديا" لتفصيل أكثر عن الغراب. وهناك تقريران جيدان بالعربية لمن يريد الاستزادة عن هذا الطير العجيب الذي علم الإنسان "كيف يدفن موتاه؟"، وفيه آيات من آيات الله البينات، الأمر الذي سوف نتناوله فيما بعد بإذن الرحمن.
ردود الفعل:
ردود الفعل لما حدث في الفاتيكان، التعليلات والتفسيرات والتأويلات والترميزات، تنوعت في شتى أنحاء العالم. منها ما حام حول صفات وسلوكيات الطيور بدراسات العلم الطبيعي، ومنها ما حمل على أفعال البابا والفاتيكان، ومنها ما تضمن شيء من الفلسفة وعلاقتها بالدين، ومنها ما خلص نفسه بالفأل الحسن أو السيئ. لكن معظمها اعتبر الحدث على أنه غير عادى من أي زاوية من زوايا النظر. من هذه الردود التي تعتبر سلوكيات الطيور:
1) < Casey Rabbita (in "Global News"):
Crows and seagulls aren't birds of prey. Hawks, falcons, kestrels, and eagles are birds of prey. Crows and seagulls don't hunt other birds. They also don't flock together. Also, even though seagulls are known for being aggressive they don't attack without reason- as nests are endangered or if a food source is being fought over. Crows also don't attack without similar reasons. It also makes no sense that the two birds were only going after the doves and not each other as well. If they were just aggressive birds, then arguably they should have attacked each other as well and may be they did and we just haven't seen any photos yet. Still though, this attack makes no sense unless these were hyper territorial birds, they each had nests nearby, or perhaps they were diseased somehow. Let's not be too quick to jump straight to "OH MY GAWD IT'S A SIGN FROM GOD AND SATAN!!!" That probably won't lead to a logical conclusion about what's going on. And in the event, it actually is somehow magically a sign, then it doesn't seem like a very good one. I'd much rather put faith in the fact that a little research is bound to uncover what really happened.
>الغربان والنوارس ليست من الطيور الجارحة مثل الصقور والنسور ... الغربان والنوارس لا تصطاد الطيور الأخرى، كما أنها لا تطير (للاقتناص) معا في جماعات. أيضا، على الرغم من أن طيور النورس معروفة لكونها عدوانية إلا أنها لا تهاجم دون سبب إذا استشعرت الخطر في الأعشاش أو مصدر الغذاء المحاط بالدفاعات. الغربان أيضا لا تهاجم دون أسباب مماثلة. كما أنه من غير المعقول قولا أن الطائرين كانا يطاردان الحمائم وليس بعضهما البعض كذلك. لو كانوا مجرد طيور عدوانية فكان من الواجب ان يهاجم بعضهما البعض، ربما فعلوا و لكن لم نر أية صور تثبت ذلك بعد. على الرغم من ذلك، فهذا الهجوم لا معنى له ما لم تكن لهذه الطيور خاصية الإقليمية ولها أعشاش قريبة، أو ربما كانوا مرضى بطريقة أو بأخرى. دعونا لا نكون مسرعين جدا للقفز مباشرة إلى "يا سبحان الله، إنها إشارة من الرب والشيطان!"، فذلك ربما لا يؤدي إلى نتيجة منطقية حول ما يجري. في حال اعتبار ما حدث واقعيا هو بطريقة أو بأخرى علامة سحرية، فإنه لا يبدو وكأنها جيدة جدا. أنا أؤمن بحقيقة أن القليل من البحث مطلب ضروري للكشف عن حقيقة ما حدث.>
2) < rantbot | (In "Legal Insurrection":January 27, 2014 at 1:59 am)
That’s very weird. I’ve never seen a herring gull attack another bird. Crows, maybe – I’ve seen them in small groups harassing a hawk. That was quite elaborate – one would annoy the hawk, then he’d back off and another would take over, then a third, etc. Didn’t seem to bother the hawk all that much, even though the crows were a bit bigger than he was. I asked the online Magic 8 Ball if this incident means anything, and it replied, “outlook not so good”.
>هذا غريب جدا. أنا لم أر قط هجوم نورس الرنجة على طائر آخر. الغربان، ربما، فقد رأيت منهم في مجموعات صغيرة تضايق أحد الصقور. عمليا - أحدهم من شأنه أن يزعج الصقر، ثم يرد الأخير الكرة، فيعاود المضايقة، ثم ثالثة، ...الخ. لا يبدو أنه يزعج الصقر كثيرا. رغم ذلك، كانت الغربان أكبر حجما مما كان هو عليه. سألت "Magic 8 Ball" على الإنترنت ما إذا كان هذا الحادث يعني أي شيء، فأجاب "في الإجمال ليست جيدة جدا".>
3) <Allan Wafkowski 28.01.2014 22:36 (RT)
I've been birding for 30 years, and I have never seen anything like this. Two different species effectively working in concert, attacking another is very strange. The National Geographic's take on it is a stab in the dark, with not enough evidence to be creditable. I suspect God is telling us something.>
>لقد تعاملت مع الطيور لمدة 30 سنة ولم أر شيئا من هذا القبيل. إثنين من الأنواع المختلفة تعمل على نحو متزامن في مهاجمة نوع آخر هو شيء غريب جدا. تقول ناشيونال جيوغرافيك "أن ذلك بمثابة طعنة في الظلام، مع أن الأدلة ليست كافية لتكون جديرة بالإكبار". أنا أظن أن الله يقول لنا شيئا<.
ثلاثة خبراء في الطير يؤكدون مع العلماء أن هجوم النورس والغراب على الحمامتين ليس من العاديات بين الطير. وهو المطلوب إثباته.
حادثة فريدة وغريبة كما وصفت، وفسرها الكثيرون بأنها تحسب على البابا لا معه، أن اهتز لها عرش البابا الملكي. فكيف بالغراب والنورس، وليسا من الطير الجارحة، يهاجمان في آن واحد لحظة انطلاق الحمامتين، كأن بينهما توزيع للأدوار كل منهما تجاه إحدى الحمائم بلا صدام مع الآخر، بتوقيت عجيب كأنهما متربصان في مهمة مزدوجة أو خطة محكمة للهجوم كما في المعارك الحربية؟! ولماذا نورس وغراب ولم يكن غرابان أو نورسان حيث التآلف بينهما في الحصاد؟ وكما تساءل خبير الطير في الشهادة الأولى لماذا لم يهاجم أحدهما الآخر في منافسة على الفريسة إن كان ما حدث من قبيل اصطياد الفرائس؟ الصورة ناصعة البيان، فيها الغراب لم يهاجم النورس غريمه على الفريسة إنما الحمامة، ولكل وجهته ما لم يره الخبير حتى لحظة كتابة شهادته.

البرهان ساطع البيان، أن في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان في ذلك اليوم بثت الطير رسالة إلهية إلى البابا والفاتيكان والعالم أجمع، هي بلا شك اعتراض بيًن على أفعال الفاتيكان ومعتقداته. وعندما يتعلق الأمر بالدين فعلينا النظر في خلق الله من خلال عدسات إعجازه في الخلق لنقف على المسببات المنطقية للظواهر غير الطبيعية من حولنا، نزداد إيمانا به جلت قدرته. هي عبرة لمن عمى فيرى في الطبيعة إلها أو أنها الطبيعة الأم ولا شيء بعدها أو فوقها. وهي أيضا عبرة لمن يعتقد إفكا أن الله متجسد في الطبيعة التي خلقها. هي في الحقيقة آيات بينات معجزات نرى من خلالها قدرته في خلقه، حقيقة لا مراء فيها تبهر العقول ببرهان ساطع يثبت وحدانيته، لا إله إلا هو، واحد أحد، لا شريك له ولا ولد، وبرهان على أن ما حدث في الفاتيكان هو من كلمات الله جل وعلا. كلمات معجزات في رسالة بثتها الطير بما حباها الله من شواهد الإعجاز البين، ومن وقدرته في خلقه جل شأنه.
فيما يأتي بعض من التفصيل بعون الله وهداه جل فضله.
مسك الختام كلمات الحق من الخلاق العليم:
* خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ *
وقال:
* سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *
صدق الله العظيم
----------------------------------
المقال التالى: /2/ الإعجاز في الطير.
على آية الطير:أستاذ جامعى [Minhageat.com]
فبراير 2014
تحديث:بعد هذه الحادثة استبدل البابا فرانسيس حمائم السلام بالبالونات البلاستكية يطلقها من نافذة الفاتيكان مع الأطفال في مناسبة يوم الهولوكوست، بحجة أن الحمائم مخلوقات الرب البريئة وغير مستحب أن ُتقتل في بيت الرب الفاتيكان. هو في ذلك يدين نفسه، وكأنه يتوقع أن يحدث ذلك كل عام في عهده، فتفضحه الطير. وهو في ذلك يهرب من مقدور الرب وإعجازه الباهر في الكون. حمائم السلام يطلقها البابا طوال عقود من الزمن ومنذ بدأ الاحتفال بيوم الهولوكوست، ولم يحدث افتراس الطير لها إلا حديثاً. جدير بالذكر أن هجوم الطير على حمائم السلام في المناسبة حدث قبل ذلك مع سلفه البابا بينيديكت، ولكن بنورس واحد، ولم يستبدل البابا الحمائم بالبالونات. قيل أن بينيديكت أشهر إسلامه فيما بعد، ما ينكره الفاتيكان.

البابا بينيديكت وقد كرت احدى الحمائم راجعة مع هجوم النورس عليها.
***************************************
- 38 views
آية الطير فى الفاتيكان /2/ اعجاز الطير فى القرآن.
آية الطير فى الفاتيكان /2/ اعجاز الطير فى القرآن.
في هذه العجالة ننظر في مكانة الطير في إعجاز الله برهانا على ألوهيته ووحدانيته، واحد أحد لا شريك له في الخلق، وإلا التفاوت والتعالي. يذكر أن لفظ "الطير" هو الشائع في القرآن الكريم بصيغة الجمع، ليس هناك لفظ "الطيور"، وإن كانت اللغة تحتمل الإفراد في لفظ "الطير".
في كل حين ومكان، يؤيد الله بمعجزاته وآياته في الكون وهداه المباشر عباده المؤمنين حقا المصطفين، يسخر لهم جنوده في السماوات والأرض ومنها الطير. في مقدمتهم الرسل والأنبياء مثل محمد، عليه الصلاة والسلام، وقصة غار حراء، ونبيه سليمان، عليه السلام، وقصته مع الهدهد وملكة سبأ، والإمام الرازي من الراسخين في العلم وحكايته مع الحمامة (أسفل الصفحة).
في إجمال جنود الله قال العليم الحكيم:
* هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * (الفتح: 4)
فكم من جنود الله في السماوات وفي الأرض لا يعلمها البشر في حمل معجز لرسالة التوحيد، واحد أحد لا شريك له ولا ولد، ورسالة معجزة للبرهان على قدرته وإبداعه في الخلق. ولا يعلمها البشر إلا في آية من آيات الله ومعجزاته ثم إنه جل وعلا يدلل في الذكر الحكيم على أن الطير مسخرات بأمره يرسلها حيث يشاء ومعها رسالة ما لبنى البشر بينة ناصعة تحكى قدرته العلية فهو الخالق البارئ المصور الذي قال:
* حُنَفَاءَ لِلَّـهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * (الحج: 31)
التشبيه بالكاف يجعل الآية من المتشابهات، وفي التأويل مقصده أن يكون مقهور الإرادة تستقى من قوله تعالى: "خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ"، مثل أوراق الخريف، يصبح كالفريسة التي تتنافس عليها الطير كغذاء. ثم مقصوده الضلال في الدنيا بلا قرار وبئس المصير، المعنى المضمر في قوله تعالى: "تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ"، ويحتمل التشبيه بالكاف إعجازا علميا لم نتوقف عليه بعد. هنا دخلت الطير كنذير فيه العقاب، والمآل الفناء. والله أعلم.
وقال:
* أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّـهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * (النحل: 79)
الإمام الرازي، رحمه الله، قال في تفسيره "مفاتيح الغيب" بلغة علمية ميكانيكية:
>"مَا يُمْسِكُهُنَّ" فالمعنى: أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقاً من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقاً فعله وحاصل باختياره، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى. قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه، لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال، فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى.<
قضية خلافية من قضايا علم الكلام، نسبة أفعال العباد أو الطير إلى الله، قضية أساسية في ثنائية "الاختيار والجبر" في منهاج المثانى، ليس مقام تفصيلها (تساؤلات المنهاج). إنما نقول بأن الجبر فيها بالخلق، أن خلق الله الطير وخلق له أدوات الطير. أما إذا كان الفعل جبرا سقط عن المخلوقات الاختيار، ما ينافي أصول الدين من أن الله أنزل إلينا الشرائع تحكم على أفعال العباد. فإن كانت الأفعال جبرية، كما تقول طائفة الجبرية الكلامية، انتفت الشرائع والحكمة منها ومن تنزيلها، متفق عليه بين علماء السنة والجماعة. المعنى هنا في قوله تعالى: "يُمْسِكُهُنَّ"، ينبني على الجبر بالخلق، إمكانيات بقاء الطير طائرة في جو السماء، اتفاقا مع القاضي عاليه. لكنه يرجع أيضا إلى الاختيار، اختيار الطائر البقاء طائرا في السماء من عدمه، اعتمادا على ما هو فيه من ترحال أو من قنص فريسة أو تصيد الغذاء. فإذا جئنا إلى حال الطير في الفاتيكان غلبنا الجبر في الفعل من حيث إنه من أمر الله، لا من حيث إرادة الطير الطبيعية وإلا انتفي الإعجاز عنها، أى أنه سلوك غير طبيعي، ما أثبتناه سابقا في الجزء الأول. من وجه ثان على المنهاج أن سلوك الطير على ذلك النحو من باب الطاعة، طاعة الله في أوامره ونواهيه، فيها من المثانى كليهما الاختيار والجبر، مفاد قوله تعالى:
* ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * (فصلت: 11)
قوله تعالى: "أَتَيْنَا" فيه الاختيار، و"طَائِعِينَ" من الجبر من حيث إنه طاعة لأمر الله، فعل لم تكن للفاعل فيه إرادة اصلاً لولا أمر الله، مفاد قوله جلت حكمته: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ". في آية فصلت سبق الاختيار على الجبر. الآية الكريمة من متشابهات المنهاج على المثانى، دليل المتشابه المجاز في "قَالَتَا"، فيها تفصيل. والله أعلم.
الإمساك هنا يحتمل الإعجاز العلمي في التأويل، في الآية الكريمة متشابه إعجاز علمي، دليله أن الله لا يمسك الطير ماديا كما يمسك الإنسان الشيء بين يديه، وإلا التشبيه في الذات الإلهية. قال الكلاميون أن لله يد ليست كيد الإنسان، وأن التشبيه حاصل في الفعل، لا في كيفيته ولا في أدواته، قضية خلافية. الإعجاز هو أن بعض الطير قادرة على أن تظل ساكنة في الهواء دون تحريك لأجنحتها، لا مجرد كونها طائرة في جو السماء ترفرف بأجنحتها. ذلك أن معنى الإمساك في اللغة يمنع الحركة، فيه السكون أكثر من الحركة بالنسبة للطير. الرازي قصد الإمساك طائرا بين الأرض والسماء، والمعنى الأدق طائرا بين الأرض والسماء ساكنا. المعنى أكثر وضوحا في قوله تعالى:
* أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَـٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ * (الملك: 19)
هنا تفصيل أكثر على التثنية، أن الطير قادرة على أن تطير في صفوف منتظمة. وأن أساس الطيران النظري هو مسألة دفع الهواء بالجناح عند قبضه (ضمه) بعد بسطه، العملية المستمرة بسط/قبض اللازمة لطيران الطير وحملها في الهواء. وأن الطير قادرة أيضا أن تكون طائرة في سكون، معلقة بين الأرض والسماء دون بسط وقبض، ما هو من الإعجاز العلمي في القرآن. دليل التشابه كما ذكرنا هو قوله عز وجل: "يُمْسِكُهُنَّ" في الآيتين. الإعجاز الأكبر في هذه الظاهرة أن معنى المسك محقق في السكون، ولا يكون سكون إلا بتوازن بين قوتين، الإشارة إلى ذكر اللفظ مرتين على المثانى، سنة الله في الكون والحياة. سبق. فكيف تكون ساكنة في الهواء مثل الطائرة الهيلوكوبتر؟ تفصيل القوتين يحتاج إلى بحث علمي طبيعي ليس مقامه. هناك نوع من الطير تظل ساكنة بجناحيها لبرهة، مثل طائر العقاب قبل الغطس لاصطياد السمك، ومنها الطيور الطنانة Hummingbirds التي تستطيع ليس فقط السكون في الهواء، مرفرفة بجناحيها بذبذبة عالية، إنما الطيران إلى الخلف أيضا. والله أعلم.
(للاستزادة عن صفات مثل هذه الطير: (Smithsonian
------------------------------------------------
قال الخلاق العليم:
* أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ* (النور: 41)
هنا أيضا إعجاز علمي وإخبار عن أمة الطير، أن من الطير كما هو معلوم ما تطير في مجموعات لها قائدها مثل المصلين وإمامهم. مبناه الاقتران بين" صَافَّاتٍ ”و"صَلَاتَهُ"، والتخصيص بالصلاة والتسبيح في "كُلٌّ ”بمعنى أن الطير في طيرانها على هذا النحو تسبح لخالقها البارئ المصور وكأنها تصلى مثل البشر المسلمين لها إمام، من ثم يجرى عليها القول كأمة أن بها مسلمون وكفار. تأكيد دليل الإعجاز العلمي في قوله: "وَاللَّـهُ عَلِيمٌ". والله أعلم.
وقال:
* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * (ص: 19)
الأواب معروف على أنه من البشر، أواب بالتقوى بعد الإيمان، لكن الله أضاف الصفة إلى الطير مثلهم، ما لا يعلمه البشر. فيها تفصيل على المثانى، ثنائية المجتمع والفرد، الجمع في "مَحْشُورَةً"، والإفراد في "كُلٌّ". والله أعلم.
وقال:
* وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ * (الأنعام: 38)
مرة ثانية يماثل تعالى ذكره بين البشر والطير في الحياة الاجتماعية بلا تفريط عن صفات خلقة. قال الإمام القرطبي، رحمه الله، في تفسيره "جامع البيان":
>يقول تعالى ذكره لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المعرضين عنك المكذّبين بآيات الله: أيها القوم، لا تحسبنّ الله غافلاً عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون، وكيف يغفل عن أعمالكم أو يترك مجازاتكم عليها وهو غير غافل عن عمل شيء دبّ على الأرض صغير أو كبير ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء؟ بل جعل ذلك كله أجناساً مجنسة وأصنافاً مصنفة، تعرف كما تعرفون وتتصرّف فيما سخُرتْ له كما تتصرّفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومثبت كلّ ذلك من أعمالها في أمّ الكتاب ... حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكُم" يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجنّ أمة<.
عن الطير في المأكل قال الرزاق العليم:
* وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * (الواقعة: 21)
ضمن ما سخره الله للبشر من نعم ومنافع لهم بالخلق، إنما ليست الطير كلها مما يشتهيه عامة الناس على اختلاف المشارب والتذوق بينهم. في التأويل تحتمل كذلك أن عامة الطير مما يشتهيه الناس كمأكل من نبات أو حيوان، وبمعنى أن الطير من المأكل الحلال. والله أعلم
الطير في آيات بينات مع الرسل والأنبياء:
في هجرة خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، عندما طارده كفار قريش وبيتوا لقتله، غادر مكة المكرمة ليلا واختبأ وصاحبه أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، في غار حراء. أيده سبحانه بجنوده من الحمائم والعنكبوت على باب الغار، فظن الكفار في مطاردتهم له أن ليس بالغار أحد، ونجاه ربه بمعجزات في جنوده. مفاد قوله أحكم الحاكمين:
* إلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* ﴿التوبة: ٤٠﴾
أيده الله سبحانه وتعالى بجنود لم يرها الناس كجيوش مجيشة. في التأويل تحتمل أنها الجنود التي بها "لم ير" الكفار محمد، عليه الصلاة والسلام، في الغار، هي الحمائم والعنكبوت. الآية الكريمة من المتشابهات، فيها متشابه الضمير في "سَكِينَتَهُ"، دليله العقلي فصل فيه الإمام الرازي، رحمه الله، وقد ذكرناه مع موضوع الهجرة، عائد إلى الصديق، رضى الله عنه. وفيها متشابه الجنود، وفيها متشابه مكاني أن الكلمة هي العليا أو السفلى معنوياً وليس مكانياً. استدللنا من قبل على أن المجاز بأنواعه المختلفة والتشبيه في الذكر الحكيم يقع في الآيات المتشابهات. على هذا الوجه يلزم التأويل، شاهده ما حدث بالفعل من معجزة في الطير والعنكبوت جنود الله الحقيقية، وإن كان الشائع في التفاسير أن الجنود هي الملائكة كما في غزوة بدر، معوًمة غير محددة، وغير ممتنعة في هذه المسألة. نميل في ذلك إلى قول الإمام الزمخشري، رحمه الله، في تفسيره "الكشاف":
> لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "اللَّهم أعم أبصارهم"، فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يفطنون. وقد أخذ الله بأبصارهم عنه <.
التأويل الأرجح في عدم رؤية جنود الله. والله أعلم.
مع رسول الله عيسى بن مريم، عليه السلام، إعجاز الله في الخلق مؤيداً به رسوله إلى بنى إسرائيل، قال العزيز القدير:
* وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي * ﴿المائدة: ١١٠﴾
جاءت هذه الآية خطاب من الله لرسوله، عليه السلام، وجاء الخطاب على لسان عيسى في موضع آخر بنفس المضمون الإعجازي، قوله تعالى:
* وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ * (آل عمران: 49)
مثال الطير في إحياء الموتى، وإشارة إلى المثانى، وإشارة إلى إعجاز علمي في صناعة الطائرات والصواريخ، وفيها نظرية الدفع في المحركات النفاثة المبنية على النظرية الميكانيكية "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه". فقد دلنا البحث في بلاغة القرآن الكريم والمتشابه فيه إلى أن التشبيه بالكاف في عامته كقاعدة إذا ما اقترن بالماديات يتضمن إعجازا علميا، باب من أبواب المنهاج. مثل ذلك قوله تعال: "كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ"، "كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ"، "كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ"، "فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ"، "كَمَثَلِ الكَلْبِ"، "كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ"، ومثله كثير. لكن الذين يقولون في الإعجاز العلمي لا يتبعون دليلا لغويا ولا قانونا أو قاعدة تأويلية، ما يعتبر تقولا على الله ولو صح تأويلهم، نستغفره ونتوب إليه، له الأمر من قبل ومن بعد. والله أعلم.
دليل التأويل هنا علمي تجريبي، أنك لو صنعت من الطين طيرا لن يطير بذاته إذا نفخت فيه. وربما قال المغرضون أن هذا من باب الخرافة. ننبه مرة أخرى على أن المتشابه جائز تفسيره على وجه، وجائز تأويله على وجه آخر، كلاهما سائغان، سقنا عليه الدليل أكثر من مرة. جاز في مثالنا أن تكون معجزة أيد بها الله رسوله عليه السلام، وفقط، وجاز إعجازا علميا عصريا. فيه تفصيل، ومنه المعروف أن أول من قام بصناعة الطائرات مثل الطير هما "الأخان رايت Write Brothers"، من النصارى، فالاحتمال قائم بنسبة الاختراع إلى تابعي نبي الله عيسى، عليه السلام. الآية الكريمة فيها "فَتَنفُخُ فِيهَا"، ولا تدل على محاولة "عباس بن فرناس" تقليد الطير بقدر ما تدل على الذي يطير ذاتيا على إثر النفخ فيه، الطائرات.
الأخوان رايت
مع موسى، عليه السلام، وقومه بنى إسرائيل كان طير السمان الذي هو "السلوى"، قول الغفور الرحيم:
* وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * (البقرة: 57)
اتفق معظم المفسرون على أن "المن" هو سائل حلو المذاق يقترب من العسل ينزل على الأشجار بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وفيه فوائد طبية. أنزله الله على بنى إسرائيل مع شحة العيش. كما اتفقوا على أن السلوى هو طائر السمان المعروف بأنه طائر مهاجر، يعيش في الشمال صيفا ويرتحل جنوبا في الشتاء. الإشارات موقوتة، فالغمام ظلل به الخالق سبحانه وتعالى بنى إسرائيل ليقيهم حر الصيف، ما يعنى عيشهم في الصحراء المصرية، والمن موقوت بطلوع الفجر إلى طلوع الشمس، أما السمان فموقوت بالشتاء. حماهم الله من حرارة الصيف وأنعم عليهم المشرب والمأكل، لكن جانبهم الشكر على أنعم الله الطيبات. ثني جل شأنه في نفس موضوع بنى إسرائيل:
* وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * (الأعراف: 160)
في التثليث على المن والسلوى قال الحكيم العليم:
* يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ * (طه: 80)
ظللهم الله بالغمام وقاية من الحر، وأنجاهم من عدوهم فرعون، وواعدهم رسالة موسى، عليه السلام، على جبل الطور في صحراء سيناء، وأنزل عليهم المن والسلوى. منحهم الله الأمن والأمان من عدو ومن طبيعة قاسية، ومنحهم الشريعة والمشرب والمأكل، مقومات الحياة الأساسية ضمنها الطير، لكنهم كفروا بأنعم الله، ظلموا أنفسهم وعبدوا العجل فحق عليهم التيه في ربوع الأرض جزاءاً وفاقا. التكرار ثلاثا في "الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ" يعنى المنهاج في التأويل ("تساؤلات المنهاج"). أن في التوراة من منهاج الله ما يتناسب مع مسببات تنزيلها. كما تحتمل أن الرسالات الثلاث فيها المنهاج على المثانى، سبق التدليل عليه. ذكر الدليل كاملا من "وَظَلَّلْنَا" إلى "يَظْلِمُونَ" مرتين، ما يشير إلى المثانى، ومشار إلى المثانى في "الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ". ثم تكرر الدليل الأخير مرة ثالثة للإشارة للمنهاج. فيها تفصيل جم خاصة مع اقترانها بعدد أبواب المنهاج الاثنتي عشر، كما سيجيئ بعون الله. يجدر بالذكر ما سبق أن استدللنا عليه من أن المأكل والمشرب في الذكر الحكيم له معنيان، متشابه وغير متشابه، وصح التفسير والتأويل على الوجهين. والله أعلم.
المعجزات البينات في الطير أيد الله بها عددا آخر من الأنبياء. مع إبراهيم، عليه السلام، قال الحكيم العليم:
* وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * (البقرة: 260)
مثال الطير في إحياء الموتى مرة ثانية، هي الأولى زمنيا. التضمين لإعجاز الخالق في خلقة، كيف يحيى الموتى بقدرته جل شأنه. فيها تأويل وإعجاز علمي لم يقف عليه بعد علم الذين يسعون معاجزين في الله، يحاولون أن يبثوا الحياة في الموتى، أو تخليق الأحياء ولو على مستوى البكتيريا. هيهات لهم، فالتحدي في قوله تعالى: "وَاعْلَمْ "، وفيه الطير المثال على كيفية إحياء الموتى. ما لا يفهمونه أن إعجاز الخالق ليس في تخليق الأحماض النووية فقط إنما أيضا بث الروح فيها التي هي من أمر الله وحده لا شريك له، وحيث خلق الله آدم، عليه السلام، من تراب. والله أعلم.
مع يوسف، عليه السلام، دخل الطير في قضية التأويل، قول العزيز الحكيم:
* وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * (يوسف: 36)
في التأويل قال:
* يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * (يوسف: 41)
كأن بطون الطير هي المآل الأخير للأحياء، بشرا أو ديدانا. فكل من عليها فان، وبأي آلاء ربكما تكذبان؟ رسالة التأويل وقوانينه عويصة المسالك مثل أحجار المتشابه، ليس مقامها، وقد أفردنا لها مدونة "تأويليات"، سيكون نظرنا فيها هناك بإذن الرحمن الرحيم.
مع داوود، عليه السلام، قال جل فضله:
* وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * (سبأ: 10)
ثلاث معجزات في الجبال والطير والحديد، أيد الله بها نبيه داوود، عليه السلام. قال فيها الزمخشري:
>أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح: معجزة لداود. وقيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. وقرئ: "وَالطَّيْرَ"، رفعاً ونصباً، وعطفاً على لفظ الجبال ومحلها. وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، وأن يعطف على فضلاً، بمعنى وسخرنا له الطير. فإن قلت: أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: "ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلا" تأويب الجبال معه والطير؟ قلت: كم بينهما؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفي: من الدلالة على عزّة الربوبية وكبرياء الإلٰهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا: إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته<.
وقال الرازي في الحديد:
>المسألة السابعة: ألان الله له الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير، فإنه يلين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذي يكتب به، فأي عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله، قيل إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة اللبوس وهي الدروع، وإنما اختار الله له ذلك، لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وسعى في حفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزراد خير من القواس والسياف وغيرهما<.
هنا مثال للحد الفاصل بين توهم الخرافة عند المغرضين، زائغي القلوب (المضمون) وبين الحقيقة العلمية. بمعنى آخر التفسير بالظاهر والتأويل بالمضمون، بمعنى ثالث تفسير على أنه غير متشابه بظاهر النص، وتأويل المتشابه بناء على دليل لغوى أو عقلي أو علمي عصري، سبق. نعم أيد الله رسله وأنبيائه بالمعجزات التي لم تكن لها تفسير على مر الزمن إلا بذلك الظاهر من النص محملة على قدرة الله جلت قدرته. نقول هي معجزات فعلية واقعية، آيات بينات للتدليل على الخالق جل وعلا. لكن هناك مقصود آخر على وجه ثاني مستتر في المتشابه من النص الخاص بالمعجزات، مقصود علمي وإعجاز هذا مثال له. مثل ذلك ما ذكرناه عن الطير وعيسى، عليه السلام، أيده الله بمعجزة إحياء الموتى، إنما النص عن الطير فيه مجاز دلالة على إعجاز ثان. فهم السلف، رحمهم الله، أن الحديد قد ألانه الله لنبيه داوود كمعجزة تؤيده في دعواه. في عصر العلم نجد الأدلة الطبيعية على الإعجاز مستقطعا من سياق النبوة، أن في صهر الحديد منافع للناس لا حصر لها في أيامنا هذه، وكما ذكر الرازي عن صناعة الدروع كمثال، وعليها الشكر، مفاد قوله تعالى[DS1] :
* فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚوَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ * (الأنبياء: 79 – 80)
واقع علمي حتى في عصر نبينا داوود، عليه السلام الذي كان فضل الله عليه علما. لقد علمه الله وحيا طريقة صهر الحديد لصناعة المنافع المتعددة، من باب الإعجاز التاريخي، الإحتمال الأرجح تأويلا في قوله تعالى: "وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ"، في الآية الكريمة الجبال والطير يسبحن بحمد الله تفسيرا وتثنية على أن كلا منهما أواب كما في الآية الأولى. فيها تفصيل على المثانى. والله أعلم.
مثل ذلك جنود الله من الجن والإنس والطير الذي سخرها سبحانه وتعالى لنبيه سليمان عليه السلام في رسالته الإيمانية ودعوى الناس لعبادة الله الواحد الأحد. الهدهد آتاه بنبأ ملكة سبأ وصفات عرشها. هَمً عفريت من الجن أن يأتيه بعرشها قبل أن يقوم من مقامه، أما الذي عنده علم من الكتاب فقد آتاه عرشها قبل أن يرتد إليه طرفه. هؤلاء هم جنود الله من الطير والجن والإنس على التوالي، ثم أسلمت الملكة مع سليمان، عليه السلام. القصة قال فيها العلى القدير:
* وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* (النمل: 17)
الرازي في تفسيرها وضع الطير مع الجن والإنس في مقام واحد من التكليف:
>وأما قوله: "وَحُشِرَ لسليمنا جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ"، فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره.
وأما قوله تعالى: "فَهُمْ يُوزَعُونَ" معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع<.
في القصة إعجاز الهدهد وكيف استدل سليمان، عليه السلام، عن طريقه إلى خبر ملكة سبأ وأحوالها. واضح المتشابه في الحوار والنبأ اليقين. فيه تفصيل كثير تجد بعضا منه في باب "هذه بضاعتنا". نحن لا نركن إلى الخرافات الماضية مع الأقدمين، عذرهم غياب الدليل، إنما نبني على دلائل علمية ونظرية تتناسب وعصر العلم الذي به الناس يعاجزون الله، تستنبط منه. فكيف يجئ عفريت من الجن أو الذي على علم من الكتاب بعرش ملكة في طرفة عين؟ أعداء الإسلام الماديون بالعلم يعدون مثل ذلك من الخرافات، شبهات يلقونها افتراءات وبهتانا على الإسلام، والحقيقة أن في القصة علم جم لم يكشف عنه بعد، دليله في القصة متعدد، منه أن الله وهب "علما" لداوود وسليمان عليهما السلام، قوله تعالى:
*وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا*
الذي منه علم منطق الطير. هذا عجيب في حد ذاته، إعجاز مستقل عن القدرة العقلية للطير التي ترتقي إلى "المنطق"، الذي عده كثير من الفلاسفة أساس العلم. دليل العلم كذلك في قوله: "بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ". أتفق - خاصة في العصر الحديث - على أن السلطان جاء في القرآن الكريم على أنه العلم، مثل ما جاء في قوله تعالى
* يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * (الرحمن: 33)
مقصوده العصري علوم الفضاء، من الإعجاز الغيبي التاريخي. دليل العلم أيضا في قوله تعالى: "بِنَبَإٍ يَقِينٍ"، فليس من يقين إلا بالعلم. ودليله في قوله: "قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ"، وقوله: "وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا". من جانبنا وبعون الله وهداه نجلى بعض منه على قدر ما وسع الله علينا به من علمه، ضمن المتشابه الذي حير العقول لقرون مديدة.
أما قوله الحكيم العليم:
*وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ* (النمل: 20 – 2)
ففيه إعجاز الهدهد، أنه لم يأت بنبأ ملكة سبأ إلا بأمر من الله، لا بناء على أمر أو رغبة من نبي الله بطبيعة التعلم، مثلما هو الحال مع الحمام الزاجل في التراسل. فقد كان غائبا عن الفصيل وتوعده سليمان، لكنه استدرك بأن الهدهد ربما كان في مهمة ربانية على أمر من الله للإتيان بعلم لا يعلمه، فيسقط عنه الوعيد في الاحتمالات المطروحة. هنا المثال الأمثل لحالة الطير في الفاتيكان، أن النورس والغراب كانا على أمر من الله مثل الهدهد. والله أعلم.
من إعجازات جنود الله في الأرض والسماوات الطير، حكاية الإمام فخر الدين الرازي، رحمه الله، مع الحمامة. وهو صاحب تفسير "مفاتيح الغيب"، العالم الموسوعي في العلم الديني أهمه التفسير وأصول الدين، وفي علم الكلام أشعريا، وفي العلم الطبيعي وريادته في تأسيس علم الميكانيكا قبل نيوتن سواء. فلا غرو قد أيده الله بمعجزة من معجزاته. قيل في الرواية المشهورة عنه أن طارد صقر حمامة فدخلت الحمامة الجامع، تخطت الصفوف واستقرت في حجر الرازي، فر الصقر ونجت الحمامة. أى أن إتيان الله بمعجزات الطير لم يقتصر على الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. من هنا جاز الامتداد للطير في الفاتيكان، والله يعلم حيث يجعل رسالته، هو الأعلم.
المصدر: مجلة الغرباء.
----------------------
لو تفحصت الإعجاز في الذكر الحكيم وآياته التي أيد بها سبحانه وتعالى رسله وأنبيائه، لا تجد من المخلوقات إلا الطير كفاعل يحمل رسالة يؤديها بإعجاز. المخلوقات الأخرى التي ورد ذكرها وإن متضمنة في آية من الإعجاز تقع مفعولا بها، لا فاعلة. الهدهد مع سليمان خير مثال، له دور وأتم مهمة، قام بفعل تمثل في قوله تعالى: "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ"، وقوله: "وَجِئْتُكَ". على خلاف بقرة بنى إسرائيل، أو ناقة نوح، أو الذبح العظيم في فداء الأضحي، أو الحية مع موسى وإن كانت تسعى، أو النمل مع سليمان وإن تكلمت، أو الكلب مع أهل الكهف وإن بسط ذراعيه، أو الجراد والقمل وإن أرسلها ربها عقابا، أو الذباب وإن ضرب به المثل في الإعجاز، أو الخنزير وإن حمل من الشريعة بابا، أو الحمار الذي يحمل أسفارا. ما يظهر معها من فعل هو دلالة على صفاتها أو أحوالها، وإن اكتنفته المعجزة العلمية بالغيب، فليس دلالة على فعل طاعة لأوامر إلهية كطاعة المسلم في إتيان الفروض مختاراً. أما قوله تعالي: "كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا" ففيه متشابه إعجاز علمي لا يدل على استثناء من الطبيعة. كل هذه المخلوقات جزء من معجزة تدلل على إعجاز الخلق فيها، لكنها لم تقم فيها بدور أو فعل. الطير تتميز عنها بأن منها ما جاء في موقع الفاعل، خصها الله به لحمل رسالاته البينة من المعجزات. من ثم تأتى بعد البشر في مراتب الرقى بين الأحياء. وقد دل سبحانه على أن لها منطق. ألم يوحى إليها ربها كما في حال النحل، الحشرة "الطائرة"، وأليس منها ما ينطق بلسان الإنسان، وألم يبعث الغراب وكأنه رسول؟
ذكر الحيوانات في القرآن الكريم: "عالم الحيوانات"، "الويكيبيديا"
----------------------------------------------------------------
سبحانه وتعالى العلى القدير، الحكيم العليم، جعل في الطير حكمة ومنطق ونظم إجتماعية وفوائد ونعم لبنى البشر، ثم حمًلها عبر الزمن والمتغيرات رسالات الإعجاز عبرة وعظة لمن يعتبر تدليلا على الإعجاز في الخلق وتدليلا على أنه واحد أحد لا شريك له ولا ولد، والله يعلم حيث يجعل رسالته.
نستنتج من هذا كله أن ما حدث في الفاتيكان من هجوم النورس والغراب على حمائم السلام، ليس له تفسير ولا تأويل آخر سوى إعجاز الله يحمل رسالة إلى بنى البشر، مؤمنين وكفار، عليهم أن يقفوا على محتواها، وليستوعبوا معناها ليتحققوا من موعود الله ووحدانيته. والله أعلم.
مازال هناك نظر في الموضوع فيما يأتي بإذن الرحمن وهداه. والحمد لله رب العالمين الذي هدانا وما كنا لنهتدي لهذا لولا أن هدانا الله، جل في علاه.
مسك الختام، آيات الخلاق العليم:
* سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *
صدق الله العظيم
-------------------------------
التالى: /3/ الأستاذ الدكتور الغراب.
الإنشاء: Minhageat.com
مارس 2014
- 21 views
التثاقل والهدى ونيوتن Newton.
التثاقل والهدى ونيوتن Newton.
* شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ * (البقرة: 185).
وقال:
* ذَلِكَ ٱلۡڪِتَـٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدً۬ى لِّلۡمُتَّقِينَ * (البقرة: 2).
وقال:
* إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ * (الإسراء: 9).
وقال:
* أوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ * (الأنعام: 157).
ثابت فى مواضع كثيرة أن القرآن الكريم فيه هدى للناس يهديهم لما هو أقوم فى أمور دنياهم ولآخرتهم سواء، إذا ما أستوعبوه وآمنوا بما جاء فيه، المسلمون فى المبتدى. ومن لم يقرأ القرآن ويقف على محتواه فقد امتنع منطقيا عن الهدى به. فى مواضع أخرى كثيرة ثابت أيضا أن الله يهدى من يشاء من عباده، هدى مباشرا مطلقا ليس خاص بمن قرأ القرآن أو الرسالات السماوية، آمن بأى منها أو لم يؤمن، ذلك هدى الله المباشر حتى لو كان الإنسان من الغافلين أو الضالين، منه قوله جلت حكمته وفيض فضله:
* قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 142).
وقال فى المعنى:
* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * (يوسف: 3).
حتى الرسل والأنبياء هداهم الله بالوحى أو من دونه بعد أن كانوا فى غفلة أو ضلال. أنظر فى قوله لرسوله الكريم صلوات الله عليه وتسليمه:
* وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ۬ فَهَدَىٰ * (الضحى: 7).
وإن كان لا يهدى الفاسقين، قوله جلت قدرته:
* وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * ﴿المائدة: ١٠٨﴾.
ولا يهدى الظالمين، قوله جل ذكره:
* إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * ﴿الأنعام: ١٤٤﴾.
ولا يهدى الكافرين، قوله تعالى فى محكم كتابه:
* إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * ﴿المائدة: ٦٧﴾.
على أنه يجب التنويه منعا للإلتياس أن ليس من كفر إلا بعد التبليغ والعلم، أهل الإعتقاد والكلام أهل لها، مفاد قوله تعالى:
* وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا * (الإسراء: 9).
وقد قال لرسوله الكريم صلوات الله عليه وتسليمه: "ووجدك ضالا فهدى" ولم يقل له: "ووجدك كافرا".
فإن أسلمت وتدبرت القرآن كنت على طريق الهدى إلى صراط مستقيم جنيته بجهدك وإجتهادك، بعقلك وفؤادك، وفى آن واحد كنت من قبل ذلك ومن بعده على طريق الهدى المباشر من الله تعالى موقوف على مشيئته وفضله، والله يعلم مشتمل رسالته من أسباب، لم وكيف وأين ومتى؟ أى أن إسلامك يعطيك الفرصة للهدى مرتين: مباشر وغير مباشر، الأخير من طريق الرسالة السماوية، مفاد قوله تعالى:
* لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ۚ * (الأنعام: 157).
"أهدى" مقارنة بين حالتين من الهدى، الذى أنزل عليه الكتاب هداه أكثر ممن لم يصبه، وأن من لم يصبه على هدى أيضا إنما الأقل.
فى الآيه الكريمة عن رمضان يقول العزيز الحكيم:
* هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ * (البقرة: 185).
نظرنا أن هناك فارق بين الهدى الأول الذى هو بالقرآن والهدى الثانى من الله تعالى المباشر دليله البينات. "بينة" فى اللغة هى الحجة والدليل والبرهان القاطع، وفى القضاء الشهادة الفارقة. منه أن القرآن الكريم يحتوى عى دلائل قاطعة على أن الله يهدى من يشاء من عباده بإطلاق، آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله أو لم يؤمن.هنا سؤال الموضوع: هل هدى الله عالم الميكانيكا الفذ "نيوتن" (صاحب التفاحة) إلى قوانين الجاذبية الأرضية كدليل على هدى الله المباشر، وقد كان مؤمنا بالله واحد أحد لا شريك له نابذا للتثليث فى المسيحية؟ لقد أشار إليها جل ذكره فى القرآن بقوله:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ * (التوبة: 38).
بما يعنى ان الله سبحانه وتعالى الخالق البارئ المصور يهدى من يشاء من عباده، الراسخين فى العلم بالأولى، لإثبات إعجازه فى الكون وتسديد البينات الدالة عليه خالق الكون. تضعيف الفعل يعتبر من المجاز (كتابى "البرهان" و"الإتقان" فى علوم القرآن، سبق) والذى يلزم له التأويل، فإثاقلتم تضعيف تثاقلتم، ليس الفعل من المحكم. والمعنى فى قوله تعالى: "اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ" لا يستقيم عقليا إلا بهذا التأويل، أن الأرض تجذبهم بثقلهم.
تعجب أنه فى علم الميكانيكا تسمى الجاذبية الأرضية ب"التثاقل"، وما من ميكانيكا إلا بهذا التثاقل لذا أعتبر "نيوتن" أبا للميكانيكا. ولا نبالغ إن قلنا أنه ما من تقدم علمى وتكنولوجي بدون الجاذبية، بل نلمس الحقيفة العلمية بأنه لا حياة على الأرض بدون الجاذبية الأرضية، تضاف كحتميات ثابته للبقاء مع الماء والهواء. فكيف لا يحتوى الذكر الحكيم على بينات لها وهى من أهم إعجازات الله وسننه جلت قدرته فى الكون والحياة؟ لأن الماء من سننه تعالى فى الكون والحياة باللزوم ضمنها آياته المعجزات وقال جلت حكمته:
* أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * (الأنبياء: 30)
آية الماء محكمة نحويا لأن الدليل لا يحتاج إلى علم متأخر، أقر به العلماء من قبل الرسالة، وإن كانت تحتمل التأويل بدليل طبيعى، لأن الأحياء ليست مصنوعة كلية من الماء وحده، إنما يوجد الماء فى كلها، وكان التأويل: "وجعلنا الماء فى كل شئ حى" لازم الحياة. فإن كانت الجاذبية الأرضية من لازمات الحياة مثل الماء، لا مناص فقد ضمنها جل ذكره آياته المعجزات إنما المتشابهات نحوا وبلاغة، لأن الدليل من المتأخر فى العلم الطبيعى. مثل ذلك مع الهواء الذى جاء دليله متشابها لإحتياجه إلى دليل التأويل من المتأخر من العلم، قوله أحكم الحاكمين:
* فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّـهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ* (الأنعام: 125)
إضافة إلى التشبيه بالكاف فمتشابه بلاغى، فإن قوله: "يَصَّعَّدُ" من التضعيف فى الفعل فالمجاز النحوى والمتشابه، لا يثبت دليله إلا فى عصر الفضاء. هو دليل على المقلة الفضائية، طائرة كانت أو سفينة فضاء، لأنه ليس "صعودا" بذاته إنما بأداة أخرى تصعد به، ومن هنا التضعيف فى الفعل. وقوله: "صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا" أنه على شفا حفرة من الموت، فى الوضع الحرج، لتناقص الأكسيجين كلما إرتفع فى الطبقات العليا من الغلاف الجوى، فكان لزومه للحياة مثل الماء والجاذبية الأرضية، وكان من الإعجاز العلمى فى القرآن. وكل لازم للحياة وثوابت الكون له دليل فى الذكر الحكيم يبرهن على وحدانية الخالق. مثل الماء والهواء والجاذبية ضياء الشمس، فقال الخلاق العليم:
* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * (القصص: 71)
التساؤل إثبات على لازم الحياة، لأن الليل سرمدا بدون ضياء الشمس يعنى الفناء لما على الأرض من أحياء، حقيقة علمية ثابتة. الفناء مدلول قوله: "إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، لأنه بلا ضياء فليس من إمتداد كثير فى الزمن بحرف الجر "إلى"، وكان المتشابه فى الآية الكريمة.
فى هذه الأدلة والبراهين تبيان لمفهوم خاتمية الرسالة وإحتوائها على المتشابه، أن بها دلالة الوحدانية والنبوة والخلق ممتده لما بعد الوحى، لازمها دلالة علمية متأخرة غير متاحة للرعيل الأول من العلماء. والله أعلم.
* وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ * ﴿المائدة: ٤٦﴾
وقال جلت حكمته الهادى إلى سواء الصراط:
* لَّـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا * ﴿النساء: ١٦٢﴾
وقد كان نيوتن مؤمنا بوحدانية الله على النصرانية فى أصولها مع الحواريين، ناقدا صلبا للتحريف فيها ونابذا للتثليث، راسخا فى العلم، فكان الهدى المباشر جزاءا وفاقا وأجرا عظيما. والله أعلم، منه التوفيق والهدى والرشاد، جل فضله.
- 1049 views
علم السيمياء.
علم السيمياء.
قال سبحانه وتعالى:
* لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ * ﴿البقرة: ٢٧٣﴾
تفسير الرازى (مفاتيح الغيب):
< الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: { تعرفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ} السيما والسيميا العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين قال الواحدي: وزنه يكون فعلاً، كما قالوا: له جاه عند الناس أي وجه، وقال قوم: السيما الارتفاع لأنها علامة وضعت للظهور، قال مجاهد {سِيمَـٰهُمْ} التخشع والتواضع، قال الربيع والسدي: أثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات دالة على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} بل المراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك إدراكات روحانية، لا علات جسمانية، ألا ترى أن الأسد إذا مرّ هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية، فكذا هٰهنا، ومن هذا الباب آثار الخشوع في الصلاة،كما قال تعالى:
{سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} [الفتح: 29]
وأيضاً ظهور آثار الفكر، روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف.>
___________________________
وقال جل شأنه:
* مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ * ﴿الفتح: ٢٩﴾
تفسير الرازى:
< وقوله تعالى: {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} فيه وجهان أحدهما: أن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى:
{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } [آل عمران: 106]
وقال تعالى:
{ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } [التحريم: 8]
وعلى هذا فنقول نورهم في وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام:
{ إِنّى وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } [الأنعام: 79]
ومن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه، فيتبين على وجهه النور منبسطاً، مع أن الشمس لها نور عارضي يقبل الزوال، والله نور السمٰوات والأرض فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في وجهه نور يبهر الأنوار وثانيهما: أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان أحدهما: أن المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود والثاني: ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين ليلاً من الحسن نهاراً، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر.>
____________________________
وقال سبحانه وتعالى:
* يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * ﴿الرحمن: ٤١﴾
تفسير الطبرى (جامع البيان فى تفسير القرآن):
< وقوله: {يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ} يقول تعالى ذكره تعرف الملائكة المجرمين بعلاماتهم وسيماهم التي يسوّمهم الله بها من اسوداد الوجوه، وازرقاق العيون.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن الحسن، في قوله: {يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ} قال: يعرفون باسوداد الوجوه، وزُرقة العيون.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ} قال: زرق العيون، سود الوجوه.>
__________________________
وقال جل علمه:
* لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * (يونس: 26)
تفسير الطبرى:
< يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ} لا يغشى وجوههم كآبة ولا كسوف حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار وهو جمع قترة، ومنه قول الشاعر:
|
مُتَوَّجٌ برداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ |
|
مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرَّاياتِ والقَتْرَا |
يعني بالقتر: الغبار. {وَلا ذِلَّةٌ}. ولا هوان. {أولَئِكَ أصْحَابُ الجَنَّةِ} يقول هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أهل الجنة وسكانها ومن هُمْ فيها خَالِدُون يقول هم فيها ماكثون أبداً لا تبيد فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
وكان ابن أبي ليلى يقول في قوله: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} ما حدثنا محمد بن منصور الطوسى، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} قال: بعد نظرهم إلى ربهم.
حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج ومعلى بن أسد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بنحوه.
حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} قال: سواد الوجوه.>
______________
قول الإمام فخر الدين الرازى رحمه الله (543 - 606 هجرية) أن السيما أو السيميا تعنى العلامة هو تأسيس للعلم الحديث "السيميوطيقا أو السيمياء، بالإنجليزية Semiotics"، علم العلامات والإشارات الذى يختص باللغة، أى لغة، من قبل أن يصبح علما كما هو معروف الآن. يعرف أيضا فى علوم الحاسوب (الكمبيوتر) بالأيقونات Icons وهى اللغة العالمية على شبكة المعلومات Internet وبرامج الحاسوب. قيل أن علم السيمياء أصله عربى يرجع إلى جابر إبن حيان وكيميائه فحمل دلالة السحر، أو إبن خلدون بمعنى مختلف، لكنه لم يحمل وظيفة العلامات والإشارات كدلالة لغوية فى التواصل إلا حديثا على يد العالم دى سوسيرFerdinand de Saussure ، يتناوله الأدب العربى تحت مسمى السيميولوجى أو السيموطيقا. الغرب أطلق الإسم من اللفظ المذكور فى القرآن الكريم Semiotics من "سيماهم"، أما بحاثنا المتغربون أطلقوا عليه إشتقاق متعرب لا السيمياء الأصل العربى، عجب!.
االتأصيل فى ذلك أنه إعجاز علمى للقرآن الكريم واللسان المبين. كما ورد أعلاه ذكرت السيمياء أكثر من مرة دلالة على علامات تعرف بها الصفات، علامات تحمل المعانى فى طياتها، هى أيضا نوع من الدلالة اللغوية. دور الإمام الرازى رحمه الله هو الإفصاح عن هذا المعنى والـتأصيل للإعجاز العلمى الحديث. بل إن القرآن الكريم تعدى فى العلم العلامات المادية مثل الأيقونات أو علامة الصلاة على الجباه إلى العلامات المعنوية، ما ذكره الرازى من تخشع أوتواضع أوهيبة أوكآبة أوكسوف أوخشوع فى الصلاة، وأشار إليه بالعلامات الروحانية. ومنه قوله تعالى: "مِنَ التَّعَفُّفِ"، وقوله جل ذكره: "تعرفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ"، مجمل السيمات مادية ومعنوية.
من أصول السيمياء فى الذكر الحكيم قوله تعالى:
* وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ*وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * ﴿النحل:5 - 16﴾
مضمون علم السيمياء فى الوقت الحاضر هو دراسة العلامات والإشارات كلغة تواصل بين البشر، له قواعده ومنهاهجه.
يجدر بالذكر أنه إذا جاءت الإشارة فى القرآن الكريم إلى علم من العلوم فهى تحتوى على أساس العلم لا التفصيل فيه، الأساس الذى لا يستقيم العلم إلا به، مثل ما سبق فى مقام آخر عن علم الإحصاء أشير إليه بالتكرار الذى لا يحصى فيه إحصاء بدونه. ومثل علم التاريخ الذى أسسه إبن خلدون فى "المقدمة" بناء على قوله جل علمه:
* وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ * (آل عمران: 140)
هنا كذلك عن علم السيمياء فهو علم العلامات ومنها الإشارات والأيقونات والحروف وما إلى ذلك. السيمياء فى الوجوه قصد بها علامات تعرف عن طريقها صفات صاحبها كما ذكر الإمام الرازى. تلك دلالة على العلم الذاخر فى الذكر الحكيم، ما لم يتوفر عليه التفسير والتأويل من قبل فى الإعجاز العلمى. والله أعلم. رحم الله علمائنا الأفاضل. نأمل أن تكون لنا بحوث فى هذا المجال تسبق ما توصل إليه العلم الغربى فى هذا الشأن، لتمتد إلى المعنويات، مثلما تقول إذا كشر فقد أضجر، والله الهادى إلى سواء السبيل.
ومنه أن الآيات القرآنية بينة فى أن إنكشاف الوجه مطلوب للأسباب السالفة الذكر حتى ترى السيماء والعلامات، نوع من الشفافية فى الإسلام، بما يعنى أن النقاب يعد مكروها. فإن كان النقاب عادة وتقليد إجتماعى فلا ضير إن كانوا يرون فيه الحشمة والعفاف والترابط العائلى مبنية على خصوصية الزواج ودرء الفتنة إن كان، ما هو من صفات الحجاب وما وضع له وما يكفله من سيماء الوجوه. وهناك عادة أو تقليد إجتماعى قريب من ذلك أن المرأة المحتشمة تخرج متحجبة وتسدل على وجهها "شرشف" أو "طرحة" شفافة مثلما تفعل العروس فى ليلة عرسها تتجمل به، ليس نقابا. هو مجرد تقليد إجتماعى وعلامة على المجتمع أنه مجتمع محافظ لا متبذل، ولم نسمع بأنه لباس إسلامى. إقحام العادات والتقاليد فى الدين وكأنها مشرعة ليس من صحيح الدين، هو من قبيل التزييف وباطل أصله، إلا ما ورد منه فى النقل.
ألم تر فى جماعات النفاق المتأسلمين يلبسون المرأة النقاب ثم يناقضون أنفسهم ويفتعلون علامة السجود، سيمياء الوجه، على الجبهة بالحك بقطعة من الطوب الأحمر، وكأن ما جاء فى الذكر الحكيم من عقائديات نزل للرجال فقط أو أن هناك تفرقة بين الرجال والنساء فى مجمل العبادات؟ أستغفر الله العظيم.
أن يوصم الإسلام بالنقاب فهذا ما لا يجرى وصحيح الدين الحنيف كما رأينا. إنه نفاق جماعات الظلام المتأسلمون، تشوه صورة الإسلام، إتخذوه إتباعا شكليا للسلف الصالح على الإسلام نفاقا وبهتانا، ووسيلة للتخفى من الأمن أو الرقيب على سيمياء الوجوه ليميز الخبيث من الطيب وإدراك آثار الإيمان أو الكفر وإنعكاسها على الوجوه بعلامات قدرها سبحانه جل شأنه فى آياته هدى للمتقين.
والله أعلم وبه الهداية والتوفيق والرشاد.
- 9665 views




