إعجاز:
إعجاز:
المرجعية:
قوله تعالى:* سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ *
الموضوعات:
- 14 views
التثاقل والهدى ونيوتن Newton.
التثاقل والهدى ونيوتن Newton.
* شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ * (البقرة: 185).
وقال:
* ذَلِكَ ٱلۡڪِتَـٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدً۬ى لِّلۡمُتَّقِينَ * (البقرة: 2).
وقال:
* إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ * (الإسراء: 9).
وقال:
* أوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ * (الأنعام: 157).
ثابت فى مواضع كثيرة أن القرآن الكريم فيه هدى للناس يهديهم لما هو أقوم فى أمور دنياهم ولآخرتهم سواء، إذا ما أستوعبوه وآمنوا بما جاء فيه، المسلمون فى المبتدى. ومن لم يقرأ القرآن ويقف على محتواه فقد امتنع منطقيا عن الهدى به. فى مواضع أخرى كثيرة ثابت أيضا أن الله يهدى من يشاء من عباده، هدى مباشرا مطلقا ليس خاص بمن قرأ القرآن أو الرسالات السماوية، آمن بأى منها أو لم يؤمن، ذلك هدى الله المباشر حتى لو كان الإنسان من الغافلين أو الضالين، منه قوله جلت حكمته وفيض فضله:
* قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 142).
وقال فى المعنى:
* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * (يوسف: 3).
حتى الرسل والأنبياء هداهم الله بالوحى أو من دونه بعد أن كانوا فى غفلة أو ضلال. أنظر فى قوله لرسوله الكريم صلوات الله عليه وتسليمه:
* وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ۬ فَهَدَىٰ * (الضحى: 7).
وإن كان لا يهدى الفاسقين، قوله جلت قدرته:
* وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * ﴿المائدة: ١٠٨﴾.
ولا يهدى الظالمين، قوله جل ذكره:
* إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * ﴿الأنعام: ١٤٤﴾.
ولا يهدى الكافرين، قوله تعالى فى محكم كتابه:
* إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * ﴿المائدة: ٦٧﴾.
على أنه يجب التنويه منعا للإلتياس أن ليس من كفر إلا بعد التبليغ والعلم، أهل الإعتقاد والكلام أهل لها، مفاد قوله تعالى:
* وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا * (الإسراء: 9).
وقد قال لرسوله الكريم صلوات الله عليه وتسليمه: "ووجدك ضالا فهدى" ولم يقل له: "ووجدك كافرا".
فإن أسلمت وتدبرت القرآن كنت على طريق الهدى إلى صراط مستقيم جنيته بجهدك وإجتهادك، بعقلك وفؤادك، وفى آن واحد كنت من قبل ذلك ومن بعده على طريق الهدى المباشر من الله تعالى موقوف على مشيئته وفضله، والله يعلم مشتمل رسالته من أسباب، لم وكيف وأين ومتى؟ أى أن إسلامك يعطيك الفرصة للهدى مرتين: مباشر وغير مباشر، الأخير من طريق الرسالة السماوية، مفاد قوله تعالى:
* لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ۚ * (الأنعام: 157).
"أهدى" مقارنة بين حالتين من الهدى، الذى أنزل عليه الكتاب هداه أكثر ممن لم يصبه، وأن من لم يصبه على هدى أيضا إنما الأقل.
فى الآيه الكريمة عن رمضان يقول العزيز الحكيم:
* هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ * (البقرة: 185).
نظرنا أن هناك فارق بين الهدى الأول الذى هو بالقرآن والهدى الثانى من الله تعالى المباشر دليله البينات. "بينة" فى اللغة هى الحجة والدليل والبرهان القاطع، وفى القضاء الشهادة الفارقة. منه أن القرآن الكريم يحتوى عى دلائل قاطعة على أن الله يهدى من يشاء من عباده بإطلاق، آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله أو لم يؤمن.هنا سؤال الموضوع: هل هدى الله عالم الميكانيكا الفذ "نيوتن" (صاحب التفاحة) إلى قوانين الجاذبية الأرضية كدليل على هدى الله المباشر، وقد كان مؤمنا بالله واحد أحد لا شريك له نابذا للتثليث فى المسيحية؟ لقد أشار إليها جل ذكره فى القرآن بقوله:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ * (التوبة: 38).
بما يعنى ان الله سبحانه وتعالى الخالق البارئ المصور يهدى من يشاء من عباده، الراسخين فى العلم بالأولى، لإثبات إعجازه فى الكون وتسديد البينات الدالة عليه خالق الكون. تضعيف الفعل يعتبر من المجاز (كتابى "البرهان" و"الإتقان" فى علوم القرآن، سبق) والذى يلزم له التأويل، فإثاقلتم تضعيف تثاقلتم، ليس الفعل من المحكم. والمعنى فى قوله تعالى: "اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ" لا يستقيم عقليا إلا بهذا التأويل، أن الأرض تجذبهم بثقلهم.
تعجب أنه فى علم الميكانيكا تسمى الجاذبية الأرضية ب"التثاقل"، وما من ميكانيكا إلا بهذا التثاقل لذا أعتبر "نيوتن" أبا للميكانيكا. ولا نبالغ إن قلنا أنه ما من تقدم علمى وتكنولوجي بدون الجاذبية، بل نلمس الحقيفة العلمية بأنه لا حياة على الأرض بدون الجاذبية الأرضية، تضاف كحتميات ثابته للبقاء مع الماء والهواء. فكيف لا يحتوى الذكر الحكيم على بينات لها وهى من أهم إعجازات الله وسننه جلت قدرته فى الكون والحياة؟ لأن الماء من سننه تعالى فى الكون والحياة باللزوم ضمنها آياته المعجزات وقال جلت حكمته:
* أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * (الأنبياء: 30)
آية الماء محكمة نحويا لأن الدليل لا يحتاج إلى علم متأخر، أقر به العلماء من قبل الرسالة، وإن كانت تحتمل التأويل بدليل طبيعى، لأن الأحياء ليست مصنوعة كلية من الماء وحده، إنما يوجد الماء فى كلها، وكان التأويل: "وجعلنا الماء فى كل شئ حى" لازم الحياة. فإن كانت الجاذبية الأرضية من لازمات الحياة مثل الماء، لا مناص فقد ضمنها جل ذكره آياته المعجزات إنما المتشابهات نحوا وبلاغة، لأن الدليل من المتأخر فى العلم الطبيعى. مثل ذلك مع الهواء الذى جاء دليله متشابها لإحتياجه إلى دليل التأويل من المتأخر من العلم، قوله أحكم الحاكمين:
* فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّـهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ* (الأنعام: 125)
إضافة إلى التشبيه بالكاف فمتشابه بلاغى، فإن قوله: "يَصَّعَّدُ" من التضعيف فى الفعل فالمجاز النحوى والمتشابه، لا يثبت دليله إلا فى عصر الفضاء. هو دليل على المقلة الفضائية، طائرة كانت أو سفينة فضاء، لأنه ليس "صعودا" بذاته إنما بأداة أخرى تصعد به، ومن هنا التضعيف فى الفعل. وقوله: "صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا" أنه على شفا حفرة من الموت، فى الوضع الحرج، لتناقص الأكسيجين كلما إرتفع فى الطبقات العليا من الغلاف الجوى، فكان لزومه للحياة مثل الماء والجاذبية الأرضية، وكان من الإعجاز العلمى فى القرآن. وكل لازم للحياة وثوابت الكون له دليل فى الذكر الحكيم يبرهن على وحدانية الخالق. مثل الماء والهواء والجاذبية ضياء الشمس، فقال الخلاق العليم:
* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * (القصص: 71)
التساؤل إثبات على لازم الحياة، لأن الليل سرمدا بدون ضياء الشمس يعنى الفناء لما على الأرض من أحياء، حقيقة علمية ثابتة. الفناء مدلول قوله: "إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، لأنه بلا ضياء فليس من إمتداد كثير فى الزمن بحرف الجر "إلى"، وكان المتشابه فى الآية الكريمة.
فى هذه الأدلة والبراهين تبيان لمفهوم خاتمية الرسالة وإحتوائها على المتشابه، أن بها دلالة الوحدانية والنبوة والخلق ممتده لما بعد الوحى، لازمها دلالة علمية متأخرة غير متاحة للرعيل الأول من العلماء. والله أعلم.
* وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ * ﴿المائدة: ٤٦﴾
وقال جلت حكمته الهادى إلى سواء الصراط:
* لَّـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا * ﴿النساء: ١٦٢﴾
وقد كان نيوتن مؤمنا بوحدانية الله على النصرانية فى أصولها مع الحواريين، ناقدا صلبا للتحريف فيها ونابذا للتثليث، راسخا فى العلم، فكان الهدى المباشر جزاءا وفاقا وأجرا عظيما. والله أعلم، منه التوفيق والهدى والرشاد، جل فضله.
- 4 views
رسالة الطير فى الفاتيكان / 4 / الطير المسلمة تقصف المشركين والنسخ.
رسالة الطير فى الفاتيكان / 4 / الطير المسلمة تقصف المشركين والنسخ.
دليل المتشابه الثانى المجاز فى تشبيه الكفار بعد الرمى بالحجارة بأنهم أصبحوا عصفا، غير جائز فى اللغة - على قدر علمنا - ولا فى الطبيعة، إنما الأرجح فى التأويل أنهم أصبحوا كالمأكول الذى تعصف به الرياح، ما قال به المفسرون كما سنرى. فثبت المتشابه من عدة وجوه، ولزمه التأويل.
الطبرى:
< حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: {طَيْراً أبابِيلَ} قال: يتبع بعضُها بعضاً. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {أبابِيلَ} قال: هي شتى متتابعة مجتمعة.>
الشوكانى:
الزمخشرى:
فى تأويل قوله: "سِجِّيلٍ"، أى ما يؤؤل إليه فعل رمى الحجارة: كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدوّن، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال؛ لأنّ العذاب موصوف بذلك، وأرسل عليهم طيراً.>
قيل أيضا فى "السجيل" أنه إسم واد فى جهنم. كأنه قيل كتب عليهم عذاب نار جهنم. يؤكد ما توصلنا إليه من قبل فى الجزء السابق من تأويل قوله جلت حكمته:
* قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ * (الأنعام: 65)
مرجعيته المحكمة كما ذكر قوله تعالى:
* فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا *
فى قوله: "يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ" غائب محذوف تقديره أداة العذاب، سبق. مصداقها مع الطير الأبابيل قوله: "سِجِّيلٍ". فثبتت صحة طريقة التأويل التى نتبعها فى المنهاج تنبنى أوليا على الإستقراء التام (تعبير الإمام الشاطبى). الثلاث آيات تفسر بعضها بعضا. وهو دليل ثان على عظم شبكة المعانى فى المتشابه من الذكر الحكيم التى سبق التدليل عليها وقوله تعالى: "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا..." الآية. والله هو الهادى إلى سواء السبيل، هو الأعلم.
الرازى: عن تأويل "العصف المأكول"، ما آل إليه حال أهل الفيل بعد أن بادرهم الطير بالحجارة:
< المسألة الأولى: ذكروا في تفسير العصف وجوهاً ذكرناها في قوله:
* مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * (الأحزاب: 40)
* وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗوَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ * (آل عمران: 7)
وقوله:
* وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ * (التوبة: 122)
المسألة الثانية، الآيات المعجزات التى أيد الله بها رسله وأنبيائه، عليهم الصلاة والسلام، لا تعنى إنقطاعها مع الزمان لقوله تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا..." الآية. وعندما تأتى آياته جلت قدرته حتى بعد إنقطاع الوحى، فهى برهان على وحدانيته، وبرهان على صدق الرسالات السماوية جاءت بالحق، وبرهان على بعثة رسل الله وأنبائه، خاصة محمد، عليه الصلاة والسلام، الذى نزلت عليه خاتمة الرسالات السماوية. كان يكفينا هذا الدليل للتدليل على الإستمرارية، لكنه تعالى شأنه أكد عليها فى مواضع آخرى تهمنا فى هذا المقام. قال العليم الحكيم:
* قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى * (طه: 52)
الله تعالى لا ينسى ولا يأمر بالنسيان، متفق عليه فى الصفات بين المتكلمين من أهل السنة والجماعة. فثبت المتشابه، وجاز حمل المعنى على أنها آية من آيات الإعجاز.
< يعنـي جل ثناؤه بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} إلـى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الـحلال حراماً والـحرام حلالاً، والـمبـاح مـحظوراً والـمـحظور مبـاحاً ولا يكون ذلك إلا فـي الأمر والنهي والـحظر والإطلاق والـمنع والإبـاحة، فأما الأخبـار فلا يكون فـيها ناسخ ولا منسوخ.>
هذا بديهى، متفق عليه. فآيات الإعجاز ما وقع منها هى فى عداد أنباء الغيب، خبر الماضى والمستقبل. النسخ فى المعجزات يأتى من طريق الإقتران بين النسخ والنسيان، نسيان أنها فى قديم الزمان ولم يعد لأثرها تأثير فيما بين أيدينا، الحاضر، أو زمان غير زمنها. فآية الإعجاز فى الطير الأبابيل خبر لا سبيل لنسخه، أو تكذيبه، أورفعه، أو محوه، إنما الأثر والتأثير هو الذى يقصد به النسخ، وتبقى الموعظة والحكمة منها مصونة ومحفوظة فى الذكر الحكيم. حتى فى هذه ربما لم تعد بالنفاذية المطلوبة فى هذا العصر أو فى عصر بعده. لقد أيد الله رسوله موسى عليه السلام بآية السحر، التى لم تعد تجدى لإثبات النبوة مع عيسى عليه السلام، فأيده بأخرى أخير وأكبر منها هى إحياء الموتى، ثم نسخت هاتين وجئ بالإسراء والمعراج مع محمد عليه الصلاة والسلام، أخير وأكبر من السحر ومن إحياء الموتى، لأنه مثال على يوم البعث حيث إجتمع بمن قبله من الرسل وصلى بهم ثابت فى كتب الأحاديث، قوله تعالى:
< وهذا المعنى جار في تقييد المطلق فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد. فكأن المطلق لم يفد مع مقيدة شيئا فصار مثل الناسخ والمنسوخ، وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ. إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق. فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد.>
ذكرنا من قبل أن الشاطبى من المفردين الذين أجروا الشرع على المثانى، فكان من الراسخين. بينما ينسخ الأخرون العام بالمخصص، فهو لا يقول بالنسخ لأن العام مطلوبه مطلوب الخاص "لرجوعها إلى شيء واحد"، ثنائية من مثانى المنهاج، لنا فيها أن الخاص ناتج من العام ولا يستقيم إلا به، بل هو مرجعيته مع أن المعمول به هو الخاص، ويبقى العام حكمه كليا من منظور خاتمية الرسالة، لا ينسخ تلاوة ولا حكما. ينضوى ذلك فى المساحة المشتركة بين الشرعة والمنهاج، سبق. يختتم مقالته بالتبين:
* جَعَلَ لَكُمُ الليل والنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ * (القصص: 73).
"لِتَسْكُنُواْ" عائدة إلى "الليل"، و"لِتَبتَغُواْ" إلى "النَّهَارَ".
يكون المثل أكبر مقصود قوله: " أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا"، كما هو الحال بين طير أصحاب الفيل وطير الفاتيكان فى الحالتين. منه التأكيد على أن آية الطير فى الفاتيكان هى تأويل آية النسخ فى القرآن. والله أعلم.
- 37 views
رسالة الطير فى الفاتيكان / 5 / الآية لا نسخ فيها إنما المعجزة لا الحكمة.
رسالة الطير فى الفاتيكان / 5 / الآية لا نسخ فيها إنما المعجزة لا الحكمة.
* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 106)
يعنى النسخ فى المعجزات لا آيات التلاوة، وما تنزل القرآن الكريم لينسخه بشر بتأويل، دليل أول عقلى مناطه التنزيل على أسبابه المثبته فى النقل ومع علماء الإسلام. فى هذا المقام نورد أدلة أخرى من الذكر الحكيم على أن المقصود هو المعجزة لا آية النص القرآنى، التلاوة فى المشهور.
أمامنا لفظان: "آية" المفرد وجمعها "آيات". جاء المفرد فى عمومه بما يعنى المعجزة، بينما الآيات تراوح معناها بين المعجزات وبين التلاوة، وفى آية النسخ جاء المفرد وليس الجمع. المفرد ذكر 87 مرة فى 79 آية حسب ما أنتجه معول البحث فى ألفاظ القرآن الكريم. ما يعنى أنها ذكرت على التثنية فى أربع آيات. لو تفحصت المعنى من خلال النص الذى تضمنها ما وجدت شبهة فى معنى المعجزة إلا فى حالات نادرة.
إستقراء أول، المحكم:
من أوضح المعنى بالمعجزة قول الحكيم العليم:
* وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ اللَّـهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّـهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * (الأعراف: 73)
قوله: "هَـٰذِهِ نَاقَةُ اللَّـهِ لَكُمْ آيَةً" جملة محكمة نصيا وفيها المقصود ب "آية" هى معجزة ناقة نبى الله صالح عليه السلام. أما أن هذه الآية "بينة" ففيها بيان الإعجاز، تأويلها وتفصيلها فى مقام آخر بإذن الرحمن الرحيم.
مثل ذلك الوضوح المباشر فى قوله جلت قدرته:
* ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * ﴿النحل: 69﴾
قوله: "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً"، محكم متكرر فى الذكر الحكيم خاصة سورة الشعراء، وباقى الآية من متشابه الإعجاز.
وقوله:
* وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * ﴿المؤمنون: ٥٠﴾
بالرغم من التشابه فى الإفراد "آية" الذى تناوله بعض المفسرين وأجازوا أن يكون على المثنى "آيتين"، فإن ذلك لا يغير من مقصودنا شئ. ففى كلا الحالتين يكون المعنى بالآية هو المعجزة لا النص، أن الله جعل عيسى وأمه مريم عليهما السلام آية أو آيتين من المعجزات، لا شبهة فى المعنى المباشر محكما. والله أعلم.
ثان، المتشابه:
على الجانب الآخر تجد النص على أن المفرد "آية" يعنى معجزة جاء نصا فى متشابه، بمعنى آخر أنه أينما ذكر اللفظ المفرد ستجد متشابه يحتوى على معجزة ما، قوله أحكم الحاكمين:
* وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّـهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * (البقرة: 118)
دليل المتشابه فى قوله: "تَشَابَهَتْ" لا شبهة فيه لأن المعنى متصل فى قوله: "كَذَٰلِكَ" التى فيها تشبيه ثان بكاف التشبيه. ودليله فى قوله "قُلُوبُهُم" يعنى فى التأويل المضمون لا الشكل، الباطن لا الظاهر، طلب التأويل للوصول إلى حقيقة المضمون. حرف "أو" بمعنى البدل، و" آيَةٌ" بدل "يُكَلِّمُنَا اللَّـهُ"، وكلام الله لهم من المعجزات، فكان المقصود آية من المعجزات. أما التبيين فهو المطلوب من التأويل. في الآية الكريمة إشارة للمنهاج حيث كررت "قال" مرتين، إشارة للمثانى، وكررت مرة ثالثة فى "قولهم" لتكتمل إشارة المنهاج الثلاثية، مع الفارق بين الفعل والإسم، لكنه يعد من التكرار فى علامات المنهاج له درجات أساسه "الجذر" النحوى للفظ، من البعيد فى التأويل ومبحث عظيم ليس مقامه. لكن التكرار فى المثانى يجئ فى الغالب مطابقا مثل التثنية فى "قول". وقد ذكرنا من قبل أن الإعجاز باب من أبواب المنهاج.
معنى "آية" أنها معجزة يستقى أيضا من قصة المائدة، وفيها يطرح اللبس فى لفظ التنزيل ومقاماته المختلفة من الإعراب المبنى على الجذر، الذى يحتمل المعجزة كما يحتمل آية كتابية مثله مثل لفظ "آيات". قوله الخلاق العليم:
* إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖقَالَ اتَّقُوا اللَّـهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّـهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ * (المائدة: 114)
من المتشابهات. معلوم أن "آية" عائدة على "مائدة" من معجزات عيسى عليه السلام، ولا تخطأ الإشارة للمثانى فى تكرار قوله: "عِيسَىابْنَ مَرْيَمَ" و"مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ" و"أُعَذِّبُهُ"، ثلاثة من المثانى، ثم تثنية إشارة المنهاج ثلاثا فى قوله: "عَذَابًا" و"مُنَزِّلُهَا". التثنية فى "الرزق" بعيدة فى التأويل أساسها الجذر النحوى للفظ كما سبق. الآيات الكريمة غنية فى تأويلات المنهاج بإعتبار الأكل والإطمئنان فى القلوب والصدق والشهادة، وتدلل دلالة قاطعة على أن الإنجيل به منهاج، سببا من أسباب بعثة محمد عليه الصلاة والسلام كما سبق فى مواضع أخرى. والله أعلم.
آيات المائدة ترفع اللبس فى تفسير آية الشعراء قوله تعالى:
* إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * ﴿الشعراء: ٤﴾
لا تشير الآية الكريمة إلى نوعية "آية"، هل هى من المعجزات أم الآيات القرآنية. لكن هناك رابط التأويل أو القرينة فى المنهاج قوله: "يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ" فى المائدة، وقوله: "نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ" فى الشعراء. فى المائدة "آية" معرفة بالمائدة، أما فى الشعراء فمبهمة، تفسر الأولى الأخيرة وتعرف "آية" بصفتها أنها آية من المعجزات مثل "مائدة". دليل معنى المعجزة يستدل عليه أيضا من قوله: "أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ"، متشابه لا يدل على آية من التلاوة تستدعى القراءة إنما التعلق بالنظر إليها فى السماء، معجزة فى الخلق أو الغيب. جاز فى التأويل أن التعلق بها من حيث أنها من إبداعات الله فى الكون، كان الإبداع فى السماء أو الأرض أو الأنفس، من باب الدهشة والإنبهار. الآيات ترفع أيضا اللبس فى معنى لفظ التنزيل، هل هو تنزيل آية معجزة أم كتابية؟
على ذلك إذا نظرت فى كل مواضع "آية" الإسم المفرد ستجد أن المقصود معجزة أو الحكمة والبرهان لا آية من التلاوة. طريقة التأويل هذه يمكن أن نطلق عليها المنهج الإستقرائى فى المعانى، متبع من قبل كثير من علماء الإسلام فى تدبر القرآن الكريم وإستنباط الأحكام وإستكناه المعانى فى اللغة. الجديد فيه أنه سائغ مع المنهاج أيضا ومن طرق تأويله، يعتمد القرينة أو الرابط. والله أعلم.
القرآن حمال أوجه كما قال الإمام على رضى الله عنه، صحيح فى المتشابه لا المحكم كما ذكرنا، سائغ فى التطبيق مع قول العزيز الحكيم:
* وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * (الأنعام: 4)
فيها مسألتان. الأولى أن هنا ثنائية الفرد والمجتمع فى المنهاج، "آية" مفرد وجمعها "آيات"، فكانت نوعية "آية" هى آية منهاجية. وقد وردت أدلة كثيرة تدلل على النوعية إن كانت من معجزات العقيدة أو الشرعة أو المنهاج. الثانية فى الإعراض ويأتى على وجهين، الأول إعراض عن معجزات ربهم فى الخلق والبرهان على وحدانيته. الوجه الثانى إعراض عن آيات التلاوة، أن فاتهم تأويلها، ما هو حاصل حتى يومنا هذا حيث المنهاج كمثال مازال مطمورا فى متشابه الذكر الحكيم، ضمنه آيات من إعجاز الله. دليل تأكيد الإعراض عن المنهاج قوله الغفور الرحيم:
* سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * (الإعراف: 146)
قوله: "غَافِلِينَ"، يؤدى معنى الإعراض فى الأولى. هنا ثنائية الفرد والمجتمع فى "آية" و"آيات"، وثنائية الغاية والوسيلة فى "سبيل". فيها "آية" و"آيات" بمعنى المعجزة أو العبرة أو الحكمة، كلاهما المفرد والجمع النحوى. فى الحقيقة أنه معنى مزدوج سائغ تأويله على وجه أنها المعجزة أو التلاوة، لأن آيات المنهاج النصية من التلاوة بديهيا، وعلى الوجه الآخر أنها آيات إعجاز المنهاج فيها معنى المعجزة، مضمون آية التلاوة مثل ما سبق عن قصة الخضر وموسى عليهما السلام فى موضوع "الإضطرار والمشقة فى المنهاج". نحن نجرى معنى "آية" على وجه واحد أنها من المعجزات، أما الإحتمال فيكون فى الجمع "آيات"، صح فيه الوجهان كما سيأتى بإذنه تعالى. والله أعلم.
ثالث، اللبس فى النسخ:
اللبس فى النسخ أو التبديل أو الإحلال فى معنى "آية" بناء على النص القرآنى، والذى أدى إلى القول بالنسخ، يمكن النظر فيه بنفس منهج التأويل السابق. الآيات المشتبه فى معانيها مثل قوله تعالى:
* وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * (النحل: 101)
متى كان هناك تكرار كان متشابه المنهاج وفيه المثانى، قاعدة تأويل فى المنهاج. لم يقل أحد من علماء السنة والجماعة بالتبديل فى التلاوة، فاللوح المحفوظ محفوظ منذ الأزل لا تبديل فيه، وقد قال تعالى: "لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ"، كلماته تلاوة وطبيعة فى نص محكم لا شبهة فيه. فكان معنى "آية" هنا أنها معجزة والتبديل فيها بمعنى الإحلال لا المحو، فليس فى الأخبار نسخ البته كما سبق مع العلماء فى مقالات الطير.
وقوله:
* وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * (الإسراء: 12)
من المتشابهات فى الإعجاز وبالتكرار كليهما. قال فيها المفسرون بالطبيعيات، الشمس والقمر، ولا تحتمل معنى التلاوة فى "آية"، ليس من محو فيها كما هو معلوم لم يتطرق إليه المفسرون. الأرجح عندنا أن المعنى به هو فى الإعتقاد إخراج الناس من الظلمات إلى النور بالمثانى، التثنية فى "آيَةَ"، فيمحو آيات الظلمات الكافرة ويجعل فى محلها آيات الإيمان نورا يهدى إليه بصيرة بنى البشر. التأويل البعيد فيها أن المثانى بإعتبارها كليات الوجود هى نور العقل، ومنه التنوير. أما إبتغاء الفضل فراجع للنهار، وعدد السنين والحساب راجع لكليهما بلا محو، قوله: " آيَتَيْنِ". وأما التفصيل فمطلب التأويل وعلى العلماء تقع التبعة. سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، هو الأعلم.
وقوله:
* وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * (الزخرف: 48)
من المتشابهات بالمجاز والتكرار كليهما. فليس من آية قرآنية أكبر من أختها، إنما المعجزات.
ثم قوله:
* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 106)
من المتشابهات كما سبق، ولكل ما سبق من دلائل لا تحتمل معنى التلاوة فى "آية" النسخ. فثبت أن لا نسخ فى القرآن الكريم. وثبت أن معنى "آية" اللفظ المفرد فى الذكر الحكيم هو "معجزة" لا تلاوة. والله أعلم هو الهادى إلى سواء السبيل وإلى الحق فى التبيين.
رابع، أنواع "آية":
يأتى المقصود من "آية" على أنواع من المعجزات، إما فى العقيدة وإما الشرعة وإما المنهاج. سبق التدليل على معجزات المنهاج، وفيه آيات الغيب:
* وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّـهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * (يونس: 20)
لا يتصور نزول آية من التلاوة فى المنظور من الغد، إلا تلك التى نزلت بعد نزول هذه الآية وحتى إنقطاع الوحى، والغيب فى علم الله. القرآن يصدق بعضه بعضا، فتجد مثل هذا المعنى فى قوله تعالى:
* سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * (فصلت: 53)
جاء الجمع فى "آيات" بمعنى المعجزات، لا غبار عليه، والمقصود فى كل الأزمنة بإطلاق، والأفاق تتعدى زمن الوحى.
* وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّـهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * (الرعد: 27)
قال فيها الإمام الطبرى، رحمه الله، فى تفسيره "جامع البيان":
<يقول تعالـى ذكره: ويقول لك يا مـحمد مشركو قومك: هلا أنزل علـيك آية من ربك، إما ملَك يكون معك نذيراً، أو يـلقـى إلـيك كنز، فقل: إن الله يضلّ منكم من يشاء أيها القوم فـيخذله عن تصديقـي والإيـمان بـما جئته به من عند ربـي ويهدي إليه من أناب، فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان بما جئته به من عند ربه ولـيس ضلال من يضلّ منكم بأن لـم ينزل علـى آية من ربـي ولا هداية من يهتدى منكم بأنها أنزلت علـيّ، وإنـما ذلك بـيد الله، يوفِّق من يشاء منكم للإيـمان ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن.>
لم يقل بأنها "آية" نصية كتابية، وكلامه فى الإعتقاد.
فى العقيدة ما هو أوضح من ذلك، آيات الإعجاز الإلهى مع الرسل موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، آيات العصا وإحياء الموتى والإسراء والمعراج على الترتيب، وفيما بينها معنى النسخ بالتبديل الأكبر والأخير. وردت قصة عصى موسى عليه السلام فى غير موضع فى الذكر الحكيم، فى سورة الأعراف قال العلى القدير:
* قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * (106 - 8)
"آية" موسى إلى فرعون وقومه هى عصاه بمآربها، يوزع بها غنمه ويلقيها فتلقف ما يأفكون من السحر. وصفها تعالى فى موضع آخر بقوله:
* لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * (طه: 23)
راجع إلى قوله تعالى:
* وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا * (الزخرف: 48)
الآيات الأخوات هى آيات كبرى فى الإعتقاد خص بها سبحانه وتعالى رسله موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام لإثبات النبوة والتوحيد. وفيها معنى النسخ أن تأتى الأخرى أكبر من سابقتها.
وصف الخلاق العليم آية الإسراء والمعراج مع محمد عليه الصلاة والسلام أنها من الآيات الكبرى، قوله:
* سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ* (الإسراء: 1)
فى التفصيل قال تعالى:
* وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ * (النجم: 12 - 18)
وما جاء وصف الآية بالكبرى إلا مع آيات موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. بالضرورة هو نفس الوصف مع آية عيسى عليه السلام وإحياء الموتى. وكان النسخ فيها بمعنى الإحلال، الاحقة أكبر من السابقة الكبرى. الإسراء والمعراج من الآيات الكبرى أكبر من إحياء الموتى ومن عصا موسى لأنها مثال ليوم البعث، سبق. وتجد "الرؤيا" على الجذر، "لنريك"، "نريهم"، و"نريه"، و"رأى"، مقترنة بالآية الكبرى وكأنها تمييز لها وقرينة التأويل الإستقرائى، فيها تفصيل. والله أعلم.
* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * (البقرة: 145)
الآية الكريمة تفسرة بالمفهوم الزمنى لما سبقها من آيات عن القبلة، وقد قلنا فيها بثنائية الفرد والمجتمع فى المنهاج. إشارة المثانى فى قوله: "بِتَابِعٍ"، وإشارة المنهاج الثالثة فى "تَبِعُوا" وفى "قِبْلَةَ" ثلاثا. دل على أن المراد فى العبادات الإختلاف بين الشرائع السماوية بمفهوم زمنى، فقد إختلفت القبلة فى الإسلام عما قبله، ما يفيد معنى النسخ فى قبلة الصلاة.
الزمخشرى فى "الكشاف" حمل المعنى فى تفسيره للآية الكريمة على أنها "آية" برهان وحجة:
<*بِكُلّ ءايَةٍ* بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، ما تبعوا *قِبْلَتَكَ* لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق.>
الرازى فى "مفاتيح الغيب" قال أولا بالمعنى العام للآية وتعريفها:
<المسألة السابعة: الآية: وزنها فعلة أصلها: أية، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفاً لانفتاح ما قبلها، والآية الحجة والعلامة، وآية الرجل: شخصه، وخرج القوم بآيتهم جماعتهم، وسميت آية القرآن بذلك لأنها جماعة حروف. وقيل: لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها. وقيل: لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى.>
ثم فيما بعد خصص المعنى المقصود فى الآية الكريمة بأنه آية من المعجزات:
<أما قوله تعالى: *مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ* فيه مسألتان:
المسألة الأولى: أنه تعالى لم يرد بذلك أنه نفس العلم جاءك، بل المراد الدلائل والآيات والمعجزات، لأن ذلك من طرق العلم، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على المؤثر، واعلم أن الغرض من الاستعارة هو المبالغة والتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى عظم أمر النبوات والمعجزات بأن سماها باسم العلم، وذلك ينبهك على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة. >
يدلل الرازى بالعلم على أن الآية من المعجزات ومن معجزات النبوة لا آية من التلاوة. أبعد من ذلك بدلائل العلم الحديث أنها آية من الإعجاز العلمى أيضا إلى جانب التكليف فى العبادة، فقد ثبت أن مكة المشرفة قبلة المسلمين فى الصلاة تقع فى مركز الأرض. وعليه ثبت جواز التأويل على الوجهين، التكليف والإعجاز العلمى. كلا من العالمين الزمخشرى والرازى لم يقل فى الآية بمعنى آية التلاوة. فثبت المعنى الأصيل فى النسخ بين الرسالات السماوية.
* وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ * ﴿آل عمران: 50﴾
الطبرى فى "جامع البيان" قال:
< يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وبأنـي قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدّقاً لـما بـين يديّ من التوراة، ولذلك نصب «مصدّقاً» علـى الـحال من جئتكم. والذي يدلّ علـى أنه نصب علـى قوله وجئتكم دون العطف علـى قوله: *وجيهاً*، قوله: *لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ* ولو كان عطفـاً علـى قوله: *وجيهاً*، لكان الكلام: ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة، ولـيحلّ لكم بعض الذي حرّم علـيكم. وإنـما قـيـل: *وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ* لأن عيسى صلوات الله علـيه كان مؤمناً بـالتوراة مقرّاً بها، وأنها من عند الله، وكذلك الأنبـياء كلهم يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لـمخالفة الله بـينهم فـي ذلك، مع أن عيسى كان فـيـما بلغنا عاملاً بـالتوراة، لـم يخالف شيئاً من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها فـي الإنـجيـل مـما كان مشدّداً علـيهم فـيها.>
تحليل فى الإنجيل لما حرم فى التوراة تخفيفا على العباد. فكان النسخ فى الشرعة زمنيا بين الرسالات السماوية الثلاث، منه ما ذكرناه وما هو معروف عن التخفيف فى الإسلام مثل الطلاق، ومثل التأكيد على أن لا توسط بين العبد وربه قضاءا على سلطة رجال الدين بلا رهباينة. ذكر القرطبى فى تفسيره لآية النسخ هذا التبديل والتحويل فى الشرعة بقوله:
<يعنـي جل ثناؤه بقوله: *ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ* إلـى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الـحلال حراماً والـحرام حلالاً، والـمبـاح مـحظوراً والـمـحظور مبـاحاً ولا يكون ذلك إلا فـي الأمر والنهي والـحظر والإطلاق والـمنع والإبـاحة، فأما الأخبـار فلا يكون فـيها ناسخ ولا منسوخ.>
قال بالعموم فى معنى النسخ التبديل والتغيير بالنسبة للشرعة وإن لم يخالف الجمع فى أن النسخ قرآنى، نستغفره ونتوب إليه. وما ذكر فى آية عمران (50) تحليل ما حرم وليس العكس. المقصود فيها نسخ ما بين الشرائع السماوية لا فى ذات القرآن. هذا هو المفهوم الزمنى فى النسخ الذى قال به الإمام المعتزلى أبومسلم الأصفهانى، رحمه الله، ولم يعجب أحدا، فأصروا على النسخ فى ذات القرآن وألقوا بقصورهم الإستدلالى على النص الإلهى، مثلما تزيدوا على الله فى الحروف عندما ضيق عليهم المتشابه فى النحو. والله أعلم.
أما أنه يطلق لفظ "آية" على آيات القرآن الكريم النصية أو التلاوة، فليس إلا دليل بما سبق على أن كل آياته من معجزات الله، معلوم عند أولى الألباب كما سبق مع الرازى. لكن فى الذكر الحكيم أشير إلي آيات التلاوة بلفظ الجمع "آيات" لا المفرد، إجتهادنا فيما بعد بإذن العلى القدير.
معنى "آية" فى اللغة:
عن "معجم المعانى":
<آيةُ: ( إسم )
الجمع : آيات و آي
الآيةُ : العلاَمَةُ والأمَارة
الآيةُ : العِبْرةُ ؛ قال تعالى : يونس آية 92 *فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً *
الآيةُ : المُعْجزة ، قال تعالي : المؤمنون آية 50 *وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً*
الآيةُ : الشخص
الآيةُ : الجماعة
آية من القرآن : جملة أو جمل ، وحدة قرآنية منفصلة عمّا قبلها وبعدها بعلامة: *وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ*
آية الله : لقب يطلق على أكابر رجال الدين في إيران
فلانٌ آية في الجمال : كامل الخَلْق. عمل إبداعيّ متميِّز. هذه اللوحة آية في الجمال يَكْتُبُ إِلَيْهَا آيَاتِ الوُدِّ وَرَسَائِلَ الحُبِّ ( يكل ): عِبَارَاتِ
هُوَ آيةُ زَمَانِهِ : مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.
هِيَ آيَةٌ فِي الجَمَالِ : فِي غَايَةِ الجَمَالِ ، نَمُوذَجٌ ، مِثَالٌ.
آيْ: ( إسم )، حرف نداء للبعيد آيْ محمد.>
لقد خلط المعجم هو الآخر فى المعنى عند ذكر أمثلة من القرآن الكريم وقال بالتبديل مثلما قال الآخرون بالنسخ. نستغفره ونتوب إليه. فيما عدا ذلك فالمعنى مقصور على العلامة والإمارة والمعجزة والعبرة، كلها فى الذكر الحكيم تفيد المعجزة والحكمة أو العبرة فيها. ومن حيث أن الحكمة أو العبرة لا تنسخ، فقد إقتصر المعنى فى النسخ على المعجزة. مثل هذا المعنى ستجده فى المعاجم الأخرى.
مسك الختام آية الإعجاز فى الآفاق وقول العزيز الحكيم:
- 28 views
رسالة الطير فى الفاتيكان /1/ إعجاز أم طبيعة؟
رسالة الطير فى الفاتيكان /1/ إعجاز أم طبيعة؟
مع بداية العام 2014م، فى إحتفالية شهدها عشرات الآلاف فى ساحة القديس بطرس بالفاتيكان بمناسبة اليوم السنوى للهولوكوست والذى يعقد الأحد الأخير من يناير كل عام، أطلق البابا مع طفلين من شباك القصر البابوى حمامتى سلام كالمعتاد، فإذا بطائرين، نورس وغراب، يهاجمان فى تزامن عجيب الحمامتين بعد إنطلاقهما بلحظات، على مشهد من الحضور والعدسات وأجهزة الإعلام العالمية. فماذا تقول الطير للبابا؟ أنه يظهر غير ما يبطن؟ رسالة من جنود الله فى الأرض؟ فى نظرنا هو إعجاز إلهى بلا شك، ورسالة لمن حرفوا الإنجيل ويؤمنون بالتثليث ويعادون الإسلام. وهى أيضا رسالة إلهية تقول للبابا، وللفاتيكان بالأولى، أنك لا تبغى السلام فى الأرض.الإحتمال قائم ردا على الفساد والفضايح التى لا تنقطع.
الملابسات:
عن طائر النورس:
من عجائبه أنه إعترض سباقا للخيل عند نقطة البداية ثم على الممر، مما أضر بالسباق.
أما أن النورس من الطير الجارحة المفترسة التى تنقض على غيرها من الطير فى الهواء للإفتراس كالنسور فلم يقل به خبراء الطير. "النورس" غير مصنف مع النسر بهذه النوعية فى عائلة واحدة. راجع "الويكيبيديا" التى تأخذ مادتها من المراجع العلمية. ينتمى النورس إلى عائلة "Charadriformes"، بينما النسر وأشباهه من الطير المفترسة "Birds of Prey"، أو الجارحة "Predators" فهى تنتمى إلى مجموعة من العائلات تسمى "Falconiformes"، ضمنها عائلة "Accipitridae" التى ينتمى إليها النسر والصقر.
حول الغراب:
فى الغذاء قالت دائرة المعارف البريطانية:
دائرة المعارف لم تذكر شيئا، كما هو الشأن مع المصادر الأخرى، عن فرائس تقتنصها فى الفضاء. قالت أن الغربان طير إجتماعى قد يصل عددهم فى المستعمرات إلى المئات من الآلاف. اللافت للنظر أن الزوج والزوجة لهما عشهما الخاص مثل البشر. بل إن الزوج لا يتزوج من زوجة أخرى إلا فى حالتين: العقم والوفاة، منع تعدد الزوجات! كما تعرف بأنها طير ذكية يمكنها عد الأرقام وتقليد الأصوات، بل قال آخرون أنها أذكى الحيوانات والطير مجتمعة، فنسبة حجم المخ إلى الجسد تقترب من النسبة الخاصة بالإنسان، تضاهى القردة العليا. مع هذه الخصائص يستبعد علميا أن تكون الغربان من القناصة أو المفترسة للأحياء من الطير، فلديها ذكاؤها ووسائلها الخاصة، التى منها أن تقذف بفتات الخبز فى الماء حتى تتجمع الأسماك عند السطح فيسهل عليه إقتناصها. رصدت حالات فريدة عديدة لسلوكيات الغراب منها هجومه على "طائرة شراعية" حتى سقطت، ومنها مهاجمة "عصفور فى عشه"، ومنها "مطاردة المارة" فى منطقة باليابان.
من قبيل الأساطير "Mythology" فى الثقافات المتعددة شرقا وغربا تذكر الويكيبيديا أن الغراب يرمز إلى ظاهرة الموت، وفى القرآن الكريم كان ذكره مع ظاهرة الموت أيضا، تعليم الإنسان كيف يوارى الموتى التراب، قوله تعالى:
* فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ * ﴿المائدة: ٣١﴾
فى التصنيف يصنف "العلماء" الغراب فى عائلة الطير الغناء "Corvidae"، الفرع: "Passeriformes"، ليس فى عائلة الطير المفترسة أو الجارحة. من هنا فليس من دليل علمى يؤيد كون سلوكها فى الفاتيكان وإنقضاضها على الحمائم سلوكا طبيعيا. يمكنك أيضا الإطلاع على موسوعة "الويكيبيديا" لتفصيل أكثر عن الغراب. وهناك تقريران جيدان بالعربية لمن يريد الإستزادة عن هذا الطير العجيب الذى علم الإنسان "كيف يدفن موتاه؟"، وفيه آيات من "آيات الله"، الأمر الذى سوف نتناوله فيما بعد بإذن الرحمن.
فيما يأتى بعض من التفصيل بعون الله وهداه جل فضله.
مسك الختام كلمات الحق من الخلاق العليم:
- 20 views
رسالة الطير فى الفاتيكان /2/ إعجاز الطير فى القرآن.
رسالة الطير فى الفاتيكان /2/ إعجاز الطير فى القرآن.
فى كل حين ومكان، يؤيد الله بمعجزاته وآياته فى الكون وهداه المباشر عباده المؤمنين حقا المصطفين، يسخر لهم جنوده فى السماوات والأرض ومنها الطير. فى مقدمتهم الرسل والأنبياء مثل محمد عليه الصلاة والسلام وقصة غار حراء، ونبيه سليمان عليه السلام وقصته مع الهدهد وملكة سبأ، والإمام الرازى من الراسخين فى العلم وحكايته مع الحمامة.
فى إجمال جنود الله قال العليم الحكيم:
* هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * ﴿الفتح: ٤﴾
* ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * (فصلت: 11)
قوله: "أَتَيْنَا" فيه الإختيار، و"طَائِعِينَ" من الجبر، طاعة أوامر الله فى قوله: "اِئْتِيَا". سبق الإختيار على الجبر. الآية الكريمة من متشابهات المنهاج على المثانى، دليل المتشابه المجاز فى "قَالَتَا"، فيها تفصيل. والله أعلم.
الطير فى آيات بينات مع الرسل والأنبياء:
فى هجرة خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، عندما طارده كفار قريش وبيتوا لقتله، غادر مكة المكرمة ليلا وإختبأ وصاحبه أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، فى غار حراء. أيده سبحانه بجنوده من الحمائم والعنكبوت على باب الغار، فظن الكفار فى مطاردتهم له أن ليس بالغار أحد، ونجاه ربه بمعجزات فى جنوده. مفاد قوله أحكم الحاكمين:
* إلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * ﴿التوبة: ٤٠﴾
أيده الله سبحانه وتعالى بجنود لم يرها الناس كجيوش مجيشة. فى التأويل تحتمل أنها الجنود التى بها "لم يرى" الكفار محمد عليه الصلاة والسلام فى الغار، هى الحمائم والعنكبوت. الآية الكريمة من المتشابهات، فيها متشابه الضمير فى "سَكِينَتَهُ"، دليله العقلى فصل فيه الإمام الرازى، رحمه الله، وقد ذكرناه مع موضوع الهجرة، عائد إلى الصديق، رضى الله عنه. وفيها متشابه الجنود، وفيها متشابه مكانى أن الكلمة هى العليا أو السفلى معنويا وليس مكانيا. إستدللنا من قبل على أن المجاز بأنواعه المختلفة والتشبيه فى الذكر الحكيم يقع فى الآيات المتشابهات. على هذا الوجه يلزم التأويل، شاهده ما حدث بالفعل من معجزة فى الطير والعنكبوت جنود الله الحقيقية، وإن كان الشائع فى التفاسير أن الجنود هى الملائكة كما فى غزوة بدر، معومة غير محددة، وغير ممتنعة فى هذه المسألة. نميل فى ذلك إلى قول الإمام الزمخشرى، رحمه الله، فى تفسيره "الكشاف":
< لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهم أعم أبصارهم" فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يفطنون. وقد أخذ الله بأبصارهم عنه.>
التأويل الأرجح فى عدم رؤية جنود الله. والله أعلم.
مع رسول الله عيسى بن مريم، عليه السلام، إعجاز الله فى الخلق مؤيدا به رسوله إلى بنى إسرائيل، قال العزيزالقدير:
دليل التأويل هنا علمى تجريبى، أنك لو صنعت من الطين طيرا لن يطير بذاته إذا نفخت فيه. وربما قال المغرضون أن هذا من باب الخرافة. ننبه مرة أخرى على أن المتشابه جائز تفسيره على وجه، وجائز تأويله على وجه آخر، كلاهما سائغان، سقنا عليه الدليل أكثر من مرة. جاز فى مثالنا أن تكون معجزة أيد بها الله رسوله عليه السلام، وفقط، وجاز إعجازا علميا عصريا. فيه تفصيل، ومنه المعروف أن أول من قام بصناعة الطائرات مثل الطير هما "الأخوان رايت Write Brothers"، من النصارى، فالإحتمال قائم بنسبة الإختراع إلى تابعى عيسى عليه السلام. الآية الكريمة فيها "فَتَنفُخُ فِيهَا"، ولا تدل على محاولة عباس بن فرناس تقليد الطير بقدر ما تدل على الذى يطير ذاتيا على إثر النفخ فيه، الطائرات.
المعجزات البينات فى الطير أيد الله بها عددا آخر من الأنبياء. مع إبراهيم عليه السلام قال الحكيم العليم:
مع يوسف عليه السلام دخل الطير فى قضية التأويل، قول العزيز الحكيم:
* وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * ﴿يوسف: ٣٦﴾
مع داوود عليه السلام قال جل فضله:
مثل ذلك جنود الله من الجن والإنس والطير الذى سخرها سبحانه وتعالى لنبيه سليمان عليه السلام فى رسالته الإيمانية ودعوى الناس لعبادة الله الواحد الأحد. الهدهد آتاه بنبأ ملكة سبأ وصفات عرشها. هم عفريت من الجن أن يأتيه بعرشها قبل أن يقوم من مقامه، أما الذى عنده علم من الكتاب فقد آتاه عرشها قبل أن يرتد إليه طرفه. هؤلاء هم جنود الله من الطير والجن والإنس على التوالى، ثم أسلمت الملكة مع سليمان عليه السلام. القصة قال فيها العلى القدير:
<وأما قوله: {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ}، فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره.
وأما قوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع.>
في القصة إعجاز الهدهد وكيف إستدل سليمان، عليه السلام، عن طريقه إلى خبر ملكة سبأ وأحوالها. واضح المتشابه فى الحوار والنبأ اليقين. فيه تفصيل كثير تجد بعضا منه فى باب "هذه بضاعتنا". نحن لا نركن إلى الخرافات الماضية مع الأقدمين، عذرهم غياب الدليل، إنما نبنى على دلائل علمية ونظرية تتناسب وعصر العلم الذى به الناس يعاجزون الله، تستنبط منه. فكيف يجئ عفريت من الجن أو الذى على علم من الكتاب بعرش ملكة فى طرفة عين؟ أعداء الإسلام الماديون بالعلم يعدون مثل ذلك من الخرافات، شبهات يلقونها إفتراءا وبهتنانا على الإسلام، والحقيقة أن فى القصة علم جم لم يكشف عنه بعد، دليله فى القصة متعدد، منه أن الله وهب "علما" لداوود وسليمان عليهما السلام، قوله تعالى:
من إعجازات جنود الله فى الأرض والسماوات الطير، حكاية الإمام فخر الدين الرازى، رحمه الله، مع الحمامة. وهو صاحب تفسير "مفاتيح الغيب"، العالم الموسوعى فى العلم الدينى أهمه التفسير وأصول الدين، وفى علم الكلام أشعريا، وفى العلم الطبيعى وريادته فى تأسيس علم الميكانيكا قبل نيوتن سواء. فلا غرو قد أيده الله بمعجزة من معجزاته. قيل فى الرواية المشهورة عنه أن طارد صقر حمامة فدخلت الحمامة الجامع، تخطت الصفوف وإستقرت فى حجر الرازى، فر الصقر ونجت الحمامة. أى أن إتيان الله بمعجزات الطير لم يقتصر على الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وحدهم. من هنا جاز الإمتداد للطير فى الفاتيكان، والله يعلم حيث يجعل رسالته، هو الأعلم.
- 21 views
رسالة الطير فى الفاتيكان /3 / الأستاذ الدكتور الغراب.
رسالة الطير فى الفاتيكان /3 / الأستاذ الدكتور الغراب.
* ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * (البقرة: 56)
الثانى كما فى قوله:
* كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ * (البقرة: 213).
يطلق فى الذكر الحكيم على بعثة الرسل والأنبياء فى نص محكم. ولا ترى إستثناءا للبعث بهذا المعنى "المفعول به" إلا مع الغراب، ومع العذاب فى قوله القادر العادل:
* قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ * (الأنعام: 65)
هنا أيضا محذوف تقديره أداة العذاب، مثل أن تكون طيرا أبابيل أو صاعقة من فوق أو زلزلة أو بركان من تحت الأرجل. دليل متشابه مثل السابق. ودليل المتشابه من طريق المجاز أن العذاب لا يبعث بالطبيعة إنما يوقع. الإستثناءان جاءا فى آيتين من المتشابهات. قرينة أو رباط سائغ فى التأويل وإن كان من البعيد، الإحتمال الأرجح فيه أن العذاب من فوق يكون من طريق الطير مثل الطير الأبابيل مع أصحاب الفيل. "يبعث" مع الغراب تفسر "يبعث" مع العذاب، أن الأول محكم الثانى ومرجعيته. هنا مثال لمحكم المنهاج، فقوله تعالى: "فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا"، نص محكم لغويا لا مجاز فيه، جملة كاملة من فعل وفاعل ومفعول به، أما قوله: "يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا"، فهو جملة كاملة أيضا فيها مجاز منشؤه التقدير، غائب تقديره من المحكم، فقاعدة القرآن يفسر بعضه بعضا. والله أعلم.
كون الغراب مبعوثا مثل الرسل والأنبياء من بين أحياء الله فى الأرض والسماوات سوى البشر، فذلك يضعه فى مكانة متفردة، ليس من حيث صفاته التكوينية مثل الذكاء فحسب، إنما أيضا من حيث نوعية الرسالة التى يحملها فى بعثته. ومن هنا القيمة والمغزى لما قام به الغراب فى الفاتيكان مع النورس.
كذلك يمكننا القول بأن للأغربة شريعة يلتزمون بها دليلها عش الزوجين، وأن الزوج لا يتزوج من غير زوجته إلا فى حال الموت أو العقم، إهمالها إحتضان البيض. هو عين منع تعدد الزوجات، معروف فى النصرانية وأسيئ فهمه فى الإسلام، قوله العليم الحكيم:
الراجح أن الأغربة السود هى المسلمة فقد كان الغراب فى الفاتيكان أسودا ولا يبعث الله كافراً. علما بأن هناك أنواع أخرى لها ألوان تختلف عن الأسود. والله أعلم.
مجمل الآيات الكريمة تعنى أن الله وضع فى الغراب علامات وآيات بينات من الإعجاز لا تنفك عنه زمانا ومكانا، وربما خصه بذلك بعد أن خلق فيه من المخ ما يضعه على قمة الذكاء بين الطير والحيوان مجتمعة. وكأنه تعالى ألحق فيه النبوة، نبوة غير مقطوعة الزمن، ليست موقوفة على صاحبها بشخصه وإسمه، نبوة كامنة فى كل الغرابيب لا يجليها إلا الخالق الحكيم، بقدرته وأمره. من ثم حق له أن يكون "الأستاذ الدكتور الغراب".
إنه الغراب المخبر المنبئ بالموت فى الأساطير، ولا تكذيب، لأنه جاء فى الذكر الحكيم مع دفن الموتى أيضا. مما تورده الويكيبيديا عن الغراب الترميز له بنذير الموت عند الأيرلنديين والبريطانيين وشمال أوروبا وأستراليا. فى الهندوسية يرمز الغراب فى حضوره إلى نبأ أو فال، سئ أو حسن، بمعنى حامل الأخبار. من الناحية العلمية ليس مثل هذه الأساطير من قبيل الخرافة، فقد بنيت على تجربة ومشاهدة متكررة بحيث لا يصح معها توصيفها كأساطير، إنما كظاهرة تخضع للدراسة والبحث، وقد خضعت فى الماضى بعادة التأمل والإستقراء حتى أن الويكيبيديا تستخدم لفظ "الملاحظة" مع هذه الأسطورة. دليلنا العلمى هنا الآيات البينات. لكن الكاتب فى الويكيبيديا لا يذكر عن الغراب فى المعطيات الإسلامية إلاعدم الجزاء لمن يقتله:
- 67 views
علم السيمياء.
علم السيمياء.
قال سبحانه وتعالى:
* لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ * ﴿البقرة: ٢٧٣﴾
تفسير الرازى (مفاتيح الغيب):
< الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: { تعرفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ} السيما والسيميا العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين قال الواحدي: وزنه يكون فعلاً، كما قالوا: له جاه عند الناس أي وجه، وقال قوم: السيما الارتفاع لأنها علامة وضعت للظهور، قال مجاهد {سِيمَـٰهُمْ} التخشع والتواضع، قال الربيع والسدي: أثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات دالة على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} بل المراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك إدراكات روحانية، لا علات جسمانية، ألا ترى أن الأسد إذا مرّ هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية، فكذا هٰهنا، ومن هذا الباب آثار الخشوع في الصلاة،كما قال تعالى:
{سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} [الفتح: 29]
وأيضاً ظهور آثار الفكر، روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف.>
___________________________
وقال جل شأنه:
* مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ * ﴿الفتح: ٢٩﴾
تفسير الرازى:
< وقوله تعالى: {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} فيه وجهان أحدهما: أن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى:
{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } [آل عمران: 106]
وقال تعالى:
{ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } [التحريم: 8]
وعلى هذا فنقول نورهم في وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام:
{ إِنّى وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } [الأنعام: 79]
ومن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه، فيتبين على وجهه النور منبسطاً، مع أن الشمس لها نور عارضي يقبل الزوال، والله نور السمٰوات والأرض فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في وجهه نور يبهر الأنوار وثانيهما: أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان أحدهما: أن المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود والثاني: ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين ليلاً من الحسن نهاراً، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر.>
____________________________
وقال سبحانه وتعالى:
* يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * ﴿الرحمن: ٤١﴾
تفسير الطبرى (جامع البيان فى تفسير القرآن):
< وقوله: {يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ} يقول تعالى ذكره تعرف الملائكة المجرمين بعلاماتهم وسيماهم التي يسوّمهم الله بها من اسوداد الوجوه، وازرقاق العيون.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن الحسن، في قوله: {يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ} قال: يعرفون باسوداد الوجوه، وزُرقة العيون.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ} قال: زرق العيون، سود الوجوه.>
__________________________
وقال جل علمه:
* لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * (يونس: 26)
تفسير الطبرى:
< يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ} لا يغشى وجوههم كآبة ولا كسوف حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار وهو جمع قترة، ومنه قول الشاعر:
|
مُتَوَّجٌ برداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ |
|
مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرَّاياتِ والقَتْرَا |
يعني بالقتر: الغبار. {وَلا ذِلَّةٌ}. ولا هوان. {أولَئِكَ أصْحَابُ الجَنَّةِ} يقول هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أهل الجنة وسكانها ومن هُمْ فيها خَالِدُون يقول هم فيها ماكثون أبداً لا تبيد فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
وكان ابن أبي ليلى يقول في قوله: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} ما حدثنا محمد بن منصور الطوسى، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} قال: بعد نظرهم إلى ربهم.
حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج ومعلى بن أسد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بنحوه.
حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} قال: سواد الوجوه.>
______________
قول الإمام فخر الدين الرازى رحمه الله (543 - 606 هجرية) أن السيما أو السيميا تعنى العلامة هو تأسيس للعلم الحديث "السيميوطيقا أو السيمياء، بالإنجليزية Semiotics"، علم العلامات والإشارات الذى يختص باللغة، أى لغة، من قبل أن يصبح علما كما هو معروف الآن. يعرف أيضا فى علوم الحاسوب (الكمبيوتر) بالأيقونات Icons وهى اللغة العالمية على شبكة المعلومات Internet وبرامج الحاسوب. قيل أن علم السيمياء أصله عربى يرجع إلى جابر إبن حيان وكيميائه فحمل دلالة السحر، أو إبن خلدون بمعنى مختلف، لكنه لم يحمل وظيفة العلامات والإشارات كدلالة لغوية فى التواصل إلا حديثا على يد العالم دى سوسيرFerdinand de Saussure ، يتناوله الأدب العربى تحت مسمى السيميولوجى أو السيموطيقا. الغرب أطلق الإسم من اللفظ المذكور فى القرآن الكريم Semiotics من "سيماهم"، أما بحاثنا المتغربون أطلقوا عليه إشتقاق متعرب لا السيمياء الأصل العربى، عجب!.
االتأصيل فى ذلك أنه إعجاز علمى للقرآن الكريم واللسان المبين. كما ورد أعلاه ذكرت السيمياء أكثر من مرة دلالة على علامات تعرف بها الصفات، علامات تحمل المعانى فى طياتها، هى أيضا نوع من الدلالة اللغوية. دور الإمام الرازى رحمه الله هو الإفصاح عن هذا المعنى والـتأصيل للإعجاز العلمى الحديث. بل إن القرآن الكريم تعدى فى العلم العلامات المادية مثل الأيقونات أو علامة الصلاة على الجباه إلى العلامات المعنوية، ما ذكره الرازى من تخشع أوتواضع أوهيبة أوكآبة أوكسوف أوخشوع فى الصلاة، وأشار إليه بالعلامات الروحانية. ومنه قوله تعالى: "مِنَ التَّعَفُّفِ"، وقوله جل ذكره: "تعرفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ"، مجمل السيمات مادية ومعنوية.
من أصول السيمياء فى الذكر الحكيم قوله تعالى:
* وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ*وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * ﴿النحل:5 - 16﴾
مضمون علم السيمياء فى الوقت الحاضر هو دراسة العلامات والإشارات كلغة تواصل بين البشر، له قواعده ومنهاهجه.
يجدر بالذكر أنه إذا جاءت الإشارة فى القرآن الكريم إلى علم من العلوم فهى تحتوى على أساس العلم لا التفصيل فيه، الأساس الذى لا يستقيم العلم إلا به، مثل ما سبق فى مقام آخر عن علم الإحصاء أشير إليه بالتكرار الذى لا يحصى فيه إحصاء بدونه. ومثل علم التاريخ الذى أسسه إبن خلدون فى "المقدمة" بناء على قوله جل علمه:
* وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ * (آل عمران: 140)
هنا كذلك عن علم السيمياء فهو علم العلامات ومنها الإشارات والأيقونات والحروف وما إلى ذلك. السيمياء فى الوجوه قصد بها علامات تعرف عن طريقها صفات صاحبها كما ذكر الإمام الرازى. تلك دلالة على العلم الذاخر فى الذكر الحكيم، ما لم يتوفر عليه التفسير والتأويل من قبل فى الإعجاز العلمى. والله أعلم. رحم الله علمائنا الأفاضل. نأمل أن تكون لنا بحوث فى هذا المجال تسبق ما توصل إليه العلم الغربى فى هذا الشأن، لتمتد إلى المعنويات، مثلما تقول إذا كشر فقد أضجر، والله الهادى إلى سواء السبيل.
ومنه أن الآيات القرآنية بينة فى أن إنكشاف الوجه مطلوب للأسباب السالفة الذكر حتى ترى السيماء والعلامات، نوع من الشفافية فى الإسلام، بما يعنى أن النقاب يعد مكروها. فإن كان النقاب عادة وتقليد إجتماعى فلا ضير إن كانوا يرون فيه الحشمة والعفاف والترابط العائلى مبنية على خصوصية الزواج ودرء الفتنة إن كان، ما هو من صفات الحجاب وما وضع له وما يكفله من سيماء الوجوه. وهناك عادة أو تقليد إجتماعى قريب من ذلك أن المرأة المحتشمة تخرج متحجبة وتسدل على وجهها "شرشف" أو "طرحة" شفافة مثلما تفعل العروس فى ليلة عرسها تتجمل به، ليس نقابا. هو مجرد تقليد إجتماعى وعلامة على المجتمع أنه مجتمع محافظ لا متبذل، ولم نسمع بأنه لباس إسلامى. إقحام العادات والتقاليد فى الدين وكأنها مشرعة ليس من صحيح الدين، هو من قبيل التزييف وباطل أصله، إلا ما ورد منه فى النقل.
ألم تر فى جماعات النفاق المتأسلمين يلبسون المرأة النقاب ثم يناقضون أنفسهم ويفتعلون علامة السجود، سيمياء الوجه، على الجبهة بالحك بقطعة من الطوب الأحمر، وكأن ما جاء فى الذكر الحكيم من عقائديات نزل للرجال فقط أو أن هناك تفرقة بين الرجال والنساء فى مجمل العبادات؟ أستغفر الله العظيم.
أن يوصم الإسلام بالنقاب فهذا ما لا يجرى وصحيح الدين الحنيف كما رأينا. إنه نفاق جماعات الظلام المتأسلمون، تشوه صورة الإسلام، إتخذوه إتباعا شكليا للسلف الصالح على الإسلام نفاقا وبهتانا، ووسيلة للتخفى من الأمن أو الرقيب على سيمياء الوجوه ليميز الخبيث من الطيب وإدراك آثار الإيمان أو الكفر وإنعكاسها على الوجوه بعلامات قدرها سبحانه جل شأنه فى آياته هدى للمتقين.
والله أعلم وبه الهداية والتوفيق والرشاد.
- 1 view














