النسخ على المثانى.
النسخ على المثانى.
من الله علينا من علمه وله الحمد بمقالتين منفصلتين في النسخ، فضلا عن موضوع إعجاز الطير في الفاتيكان، تثبت نفي النسخ في ذات القرآن، إنما المقصود هو نسخ بمفهوم زمني فيما بين الرسالات والنبوات، كان في الشرعة أو المنهاج أو معجزات الاعتقاد، إلا ما كان فيه نص نقلى لا نقف عليه إلا في السنة مثل حديثه صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور وهو نص لا يفتقر إلى تأويل. منه خلصنا إلى أن القرآن ما تنزل كي ينسخه بشر بتأويل. في هذا المقام نبسط نظرنا في حقيقة المقصود بالنسخ بمنظار المنهاج وما هو مقصود فيه على المثانى.
أولا: بيان النسخ:
قال العليم الحكيم جل ذكره:
* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 106)
وقال:
* وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُاللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * (الحج: 52)
ثنى النسخ مطابقا في فعل المضارع المستمر: "نَنسَخْ" و"يَنسَخُ اللَّـهُ" على مدار الذكر الحكيم في الآيتين الكريمتين، فكان مناطه الأصلي المثانى. الأخيرة من متشابهات التكرار ( انظر "تساؤلات المنهاج")، جاء فيها لفظ الجلالة ثلاثا ليدلل على المنهاج، ومن ذلك الرسول ثلاثا من البعيد، ثم إشارات المثانى في "الشَّيْطَانُ" مطابقة، وفي التمني والإلقاء والنبوة والإحكام والنفي، خمسة على الجذر من البعيد، عزيزة المنال في التأويل، إلى جانب دليل المتشابه في قوله: "أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" من المجاز. تفيد في الإجمال النسخ ثم الإحكام في المنهاج على المثانى مع كل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أما أن ذلك فيه علم غزير وعلى علم ففي قوله: "عَلِيمٌ". وكلما تبدى طيف التبيين بالألوان كما ترى كلما زاد العلم في المنهاج وبحره اللجي. الإحكام تناولناه من قبل في موضوع "الإتقان في الإحكام"، ليس المقصود به المحكمات في آل عمران، إنما الإحكام من حيث أنه فعل الوضع في افتتاحية سورة هود وقوله تعالى:
* الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ*
ثنى الإحكام في هود والحج، فكان المقصود إحكام المثانى المعجز، وإحكام المحكمات والمتشابهات كليهما، مما يترتبه من معنى النسخ في الذكر الحكيم أنه نسخ بين الرسالات والشرائع والمنهاج وما اكتنفته من معجزات وأحكام، ونسخ ما يلقى الشيطان ضمنه أحكام الجاهلية، المعنى واحد بمثابة الشمس من الظل. في ذلك قال الشاطبي رحمه الله في موافقاته:
< ووجه رابع يدل على قلة النسخ وندوره أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ عند الأصوليين كالخمر والربا فإن تحريمهما بعد ما كانا على حكم الأصل لا يعد نسخا لحكم الإباحة الأصلية. ولذلك قالوا في حد النسخ إنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، ومثله رفع براءة الذمة بدليل، وقد كانوا في الصلاة يكلم بعضهم بعضا إلى أن نزل: {وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ}. وروى أنهم كانوا يلتفتون في الصلاة إلى أن نزل: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. قالوا وهذا إنما نسخ أمرا كانوا عليه وأكثر القرآن على ذلك. معنى هذا أنهم كانوا يفعلون ذلك بحكم الأصل من الإباحة فهو مما لا يعد نسخا، وهكذا كل ما أبطله الشرع من أحكام الجاهلية. فإذا اجتمعت هذه الأمور ونظرت إلى الأدلة من الكتاب والسنة لم يتخلص في يدك من منسوخها إلا ما هو نادر.>
نسخ أحكام الجاهلية بمثابة نسخ لما كان قبل نزول القرآن سواء في شرع من قبلنا أو الوضعيات كانت جاهلية أو عقليات، المراد العموم فيما يلقى الشيطان مجازا. والله أعلم.
وفي النسخ قال جلت حكمته:
* وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴿٢٧﴾ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴿٢٩﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴿٣٠﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ * (الجاثية: 27-30)
تأويلا على المنهاج وطرائقه فإن قوله تعالي: "نَسْتَنسِخُ" هنا بمعنى نسخ الشمس للظل، لا بمعنى نقل الصورة. الأخير ما قاله المفسرون من أن الملائكة تكتب أعمال العباد، جائز على الظاهر، جاء مراده في مواضع أخرى من المحكمات، وهنا متشابه. لو كان كذلك على الحقيقة لما اقتضى التضعيف في الفعل وأوفت "ننسخ" بالمطلوب، ثم عدت بذلك "نَسْتَنسِخُ" تكلفا وهو باطل، التأويل الأرجح. سياق الآيات منهاجيا مستوفيا المعنى يبدأ مع ملك الله وينتهي بالقوم المجرمين. تجد الإشارة للمثاني في "يَوْمَ" و "كِتَابُ" و"مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"، وفي الطباق بين "الَّذِينَ آمَنُوا" و"الَّذِينَ كَفَرُوا" على المثانى. إشارة المنهاج الثالثة للكتاب تأتى من مفاد التلاوة "آيَاتِي تُتْلَىٰ". فكانت الآيات الكريمة مكتملة الإشارة للمنهاج ومثاني فيه، ما يفيد الرباط بين مجموع الآيات ومناسبتها لبعضها البعض. منه تقف في المناسبة على أن المعاني متعلقة بعضها البعض بروابط لا شبهة فيها، "يوم" رابط بين الأولى والثانية، والكتاب والأعمال بين الثانية والثالثة، والجزاء في قوله تعالي: "يَخْسَرُ" وقوله: "يُدْخِلُهُمْ" رابط بين الأولى والرابعة، والطباق رابط بين الرابعة والخامسة. فتلك وحده سياقية منهاجية من البديع في النظم والترتيب والمناسبة مكتملة المعنى، يعتبر التكرار فيها داخليا أقل درجة في القطع من التكرار في نفس الآية. من هنا لا يعنى قوله تعالي: "نَسْتَنسِخُ" نسخ الصورة إنما الاستنساخ واقع بمعنى النسخ في الكتاب ومنهاجه، بمعنى آخر الرسالة في مجملها ما بين الرسالات، مدلول قوله تعالي: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا"، وقوله: "مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ". الفعل "نَسْتَنسِخُ" من المركب والتضعيف فيه مجاز يدل على متشابه إلى جانب دلالة التكرار ("تساؤلات المنهاج").
من حيث أن "نَسْتَنسِخُ" هنا فيها نفس معنى النسخ في آيتي البقرة والحج، نسخ الشمس للظل، فقد اكتملت الإشارة إلى المنهاج على مدار الذكر الحكيم بتكرار ثلاثي خارجي، وقد وقع النسخ فيه ومثانيه وما هو من المعجزات والأحكام متضمنة، وبالمعاني السابق تبيانها في العقيدة والشرعة والمنهاج، نسخ بمفهوم زمني بين الشرائع والنبوات لا في ذات القرآن كلام الله، تعالى الله عما يصفون. على أن الإحتمال قائم في تثنية النسخ أنها تشير إلى الشرعة والمنهاج، كما تشير بالاحتمال إلى مثاني المنهاج. الإحتمال الأرجح هو نسخ في الأولى للمعجزات والأحكام كما بينا مع اللفظ المفرد "آية"، وفي الثانية نسخ لتلاوة وأحكام ما قبل شرعنا دليله الإحكام المقترن في نفس الآية، تحتاج إلى تمحيص أكثر. والله أعلم.
النسخ في الثلاث آيات السابقة، البقرة والحج والجاثية، هو بمعنى مقام الشمس من الظل، أما معنى نقل الصورة كتابية أو غير كتابية فصريح في قول أحكم الحاكمين:
* وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ* (الأعراف: 154)
لا شبهة في اختلاف المعنى عن الأوليات. النسخة في الألواح هي المعنى الدارج للنسخ الكتابي والصوري، فخلط المفسرون بين المعنيين، لم يفطنوا إلى المتشابه فيها وقالوا بالنسخ الكتابي في "نَسْتَنسِخُ"، وليس كذلك مع الاختلاف في بناء اللفظ وتزايده وتضعيفه، القاعدة المعروفة عند اللغويين: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى. أهل اللغة لهم الباع الأكبر. والله أعلم.
ثانيا: في المركب الجدلى:
الزركشي في مصنفه "البرهان" عن أحوال تضعيف اللفظ:
< القسم الخامس عشر: الزيادة في بنية الكلمة. واعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني فإذا زيدت في الإلفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة.
ومنه قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ}، فهو أبلغ من [قادر] لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة لا يرد شيء عن اقتضاء قدرته ويسمى هذاوة المعني.
وكقوله تعالى: {وَاصْطَبِر} فإنه أبلغ من الأمر بالصبر من[أصبر].
وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} لأنه لما كانت السيئة ثقيلة وفيها تكلف زيد في لفظ فعلها.
وقوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا}، فإنه أبلغ من [يتصارخون].
وقوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا}، ولم يقل: [وكبوا]. قال الزمخشري: والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقى في جهنم [ينكب] كبة مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها اللهم أجرنا منها خير مستجار!
وقريب من هذا قول الخليل في قول العرب: صر الجندب وصرصر البازي كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة فقالوا: صر صريرا فمدوا وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا: صرصر.
ومنه الزيادة بالتشديد أيضا، فإن [ستارا] و [غفارا] أبلغ من [ساتر] و[غافر]، ولهذا قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً}. ومن هذا رجح بعضهم معنى [الرحمن] على معنى [الرحيم] لما فيه من زيادة البناء وهو الألف والنون وقد سبق في السادس.
ويقرب منه التضعيف - ويقال التكثير - وهو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع الفعل مرة بعد مرة. وشرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف وإنما جعله متعديا تضعيفه، ولهذا رد على الزمخشري في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} حيث جعل [نزلنا] هنا للتضعيف.
وقد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم قليلا نحو موت المال.
وجاء حيث لا يمكن فيه التكثير، كقوله تعالى: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّه}. {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً}. فإن قلت: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} مشكل على هذه القاعدة لأنه إذا كان [فعّل] للتكثير، فكيف جاء [قليلا] نعتا لمصدر [متّع] وهذا وصف كثير بقليل وإنه ممنوع. قلت: وصفت بالقلة من حيث صيرورته إلى نفاد ونقص وفناء.
واعلم أن زيادة المعنى في هذا القسم مقيد بنقل صيغة الرباعي غير موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة، فقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}، لا يدل على كثرة صدور الكلام منه لأنه غير منقول عن ثلاثي. وكذا قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} يدل على كثرة القراءة على هيئة التأني والتدبر.>
في المنهاج يعتبر التضعيف والتكرير تبعا من المجاز يلزمه التأويل. منه ما هو إعجاز علمي كما أشرنا من قبل مع "ثاقلتم" في مقالة "التثاقل والهدى ونيوتن"، فيها تثاقل بالوزن وتثاقل بالجاذبية الأرضية، أى تضعيف السبب مرتين على الكينونة لا ينفصمان. نحن نجري "التكرار" على أنه اللفظ مكررا في خارجه، أما "التكرير" فاللفظ مكررا في داخله ما هو التضعيف الذي تكلم عنه الزركشي.
الزركشي لم يقل في التفصيل الذي لا يكون إلا مع التأويل الذي يلزمه الدليل الذي لم يكن في زمانه. منه أن التكرير (التضعيف) في "يصطرخون" يختلف عن "استشهدوا" (وزن استفعل) يختلف عن "كبكبوا" يختلف عن "ترتيلا" وما مثلها. المراد على ما يستبين إما النقل لوزن أعلى من الفعل ولمرحلة أعلى من التفعيل مثل ما في الترتيل والتكليم، وإما تكرار الفعل دون نقل مثل ما في كبكبوا. النقل يكون في المفعول المطلق مثل قوله: "وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً"، فيه النقل من مجرد الترتيل إلى التجويد كما ذكرنا في مقالة أخرى. مثله قوله تعالى: "وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً"، نقل التفعيل إلى وسائط أعلى من الدنيوية، بخلاف الكلام في الأول الذي يعرفه أحياء الأرض. وقوله تعالي: "لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا" فيه النقل من مجرد العد الحسابي وعلم الحساب إلى الإحصاء كعلم مقترن في الآية، ذكرناه في مقام آخر. ما قصدوه هو من الزيادة في اللفظ التي يتبعها زيادة في المعنى أو توسعة فيه، وليس الأمر كذلك مع قوله الحق:
* يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * (ق: 30)
وقوله:
* لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * (ق: 35)
الزيادة في المعني هنا بلا زيادة في اللفظ كما بينا في "موضع آخر"، إنما ما يقبله من تأويل على علم. كرر فعل القول مرتين تثنية داخلية في نفس الآية مقترنة بالمزيد، فعنيت الزيادة في المعنى بلا زيادة في اللفظ، دليل المجاز فيها أن جهنم لا تتكلم. كررت "مَّزِيدٍ" مرة ثانية في نفس السورة والسياق إنما ما يتعلق بالجنة، التضاد في المثانى، أي ثنائية المضمون والشكل، الباطن والظاهر، المعنى واللفظ. الرابط بين الآيتين من الطباق.
الفعل "نَسْتَنسِخُ" ليس به نقل إنما التضعيف بالتكرير بدرجة مختلفة عما في "كبكبوا"، يختلف المراد حسب سياقه. دليل التكرير في الأخير في تراكب الفعل بذاته لا بدلالة غيره، مثل ما ذكره الزركشي عن الخليل في "صر" و"صرصر"، مطلق التكرير أكثر من مرة. دليل التضعيف بالتكرير الخارجي لا في ذات الفعل قوله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ"، وقوله: "فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً"، ذكرت "استشهدوا" مرتين بتكرار خارجي. ولو تتبعت وزن استفعل لوجدت أنه يجئ كدليل على المثانى والمنهاج، مثل دلالة المثانى الداخلية، يعنى في نفس الآية، في قوله تعالى: "اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ"، وقوله: "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ"، وقوله: "فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي". دلالة المنهاج داخلية في قوله تعالى: "حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ". مع تواتر هذا النمط من التراكب كانت الزيادة في المعنى تجئ من التكرار مرتين، لأن الدليل الثالث في المنهاج ليس أصلا تكراريا للمثاني، إنما مكمل له لتكتمل دلالة المنهاج واليقين فيه. وكما ذكرنا من قبل فإن تكرار المثانى يجئ في قطعيته مطابقا، والقطع أولى في التأويل. منه كان وزن "استفعل" تضعيف بالتكرير دليله خارجي مقيد بالتكرار مرتين، بخلاف التكرير المطلق في "كبكبوا" ومثله. ومنه أن فعل " َسْتَنسِخُ" يدل على تراكب من فعل مرتين، ننسخ وننسخ، ما ورد في الذكر الحكيم مثنى في آيتي البقرة والحج. بمعنى أن النسخ في الجاثية مركب النسخ في البقرة والحج. استدلال وتدليل في آن واحد.
حيث أن النسخ المقصود في سورة الحج هو لما يلقيه الشيطان على المثانى، فنظرنا في ذلك أنه يتعلق بالجدل الوضعي منذ عرف الناس الجدال والجدل، أشهر قديمه مع أرسطو، وأن السبع المثانى في الذكر الحكيم تنسخ هذه الوضعيات في كلياتها ككليات للوجود، أحكمها أحكم الحاكمين في منهاج الإسلام بإعجاز المجاز الذي عز على الأفهام. تكلمنا من قبل في موضوع "مدرسة الجدل بين الغزالى وهيجل" عن الإمام الغزالي رحمه الله ومكانته من "هيجل Hegel"، رحمه الله، هداه الله إلى الجدل ويعتبر مؤسسا للجدل الوضعي الحديث على ما عرف عنه منذ النهضة. قال الغزالي بالموضوع وضده والمركب منهما وإن لم ينص على أن ذلك جدل، وكأن مهمة هيجل كانت إضافة المسمى والتصنيف والتفصيل والتطبيق على المنطق والوعي والتاريخ، فلسفة هيجل. فيما قاله الغزالي: "وكل علم مطلوب فلا يمكن أن يستفاد إلا من علمين هما أصلان، ولا كل أصلين بل إذا وقع بينهما ازدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص. فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علماً ثالثاً وهو المطلوب". قال هيجل بنفس المقولة أساس الجدل الهيجلي، فقد جاء على لسان أحد الهيجليين: "وتسمى أضلاع المثلث في بعض الأحيان: القضية، والنقيض، والمركب على التوالي". قيل في المركب أنه صيرورة الجدل، وهنا في النسخ نسخان ومركب منهما تصير إلى نفس المقولة. فيه تفصيل على المثانى سنتناوله فيما بعد بإذنه العلى القدير وتوفيقه هو الأعلم.
ثالثا: في الخاص والعام.
يقول الخبير العليم:
* مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 105-6)
ويقول:
* وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * (آل عمران: 73-4)
من طيف الألوان ترى مدى ثراء الآيات الكريمة بالمنهاج الذي بحره أوسع من بحر الشرعة بوسع المتشابه من المحكم، بل هو محيط شطآنه وأعماقه عزيزة المنال، وما نحن فيه ما هو إلا قطرات الافتتاحية. تكرر قوله تعالى: "يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" مرتين إشارة للمثاني، وإشارة لثنائية العام والخاص من السبع المثانى في قوله تعالي: "يَخْتَصُّ"، ثم إشارة المنهاج الثلاثية ففي لفظ الجلالة، وفي الإتيان على الجذر، جيئت كلها في آية واحدة ما يفيد القطع بها. ذلك في الحكم بما أنزل الله دليله الإتباع في المبتدي، عليها تفصيل لا يسعه المقام. والله أعلم.
هنا إحكام لثنائية العام والخاص، جارية سارية في الشرعة والمنهاج سواء. الكلام فيها بحر متصل لا توفيه الأعمار. إن شئت كنت في الأصول ومنزلة الخاص من العام تقييدا، وإن شئت كنت في الاقتصاد والقطاعين العام والخاص، دور الدولة ودور المواطنين، وإن شئت في فقه الشريعة وإنزال الكليات على الجزئيات، وإن شئت في الأخلاق وتعاملاتها، وإن شئت في الاجتماعيات ونظيرتها ثنائية المجتمع والفرد، وإن شئت في التقنين ومسالكه، وإن شئت كما تشاء من فكر مستنير.
الدلالة الثالثة في خاص الثنائية على المنهاج قوله جل جلاله:
* وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * (الأنفال: 25)
"خَاصَّةً" بالإضافة إلى "يَخْتَصُّ" مرتين تفيد المنهاج. هي إشارة لجانب واحد من الثنائية في لفظ الخصوص على الجذر. منطقيا وأصوليا إن جاءت الإشارة بطرف منها ففي المسكوت عنه الطرف الثاني طباقا. لكنه قرآنه تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، يشير إلى الطرف الآخر في موضع آخر. أشار جلت حكمته إلى الطرف الآخر في ثنائية العام والخاص وهو العام في مجال الاقتصاد الذي هو باب من أبواب المنهاج الإثنى عشر، أشار إليه في موضعين، قوله أحكم الحاكمين:
* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * (الأنفال: 1)
معلوم في الفكر الإسلامي أن الأنفال والفيء كانت من أسس إنشاء "بيت المال" في الإسلام منذ عهد الصديق أبوبكر، رضى الله عنه، ثم كان متميزا من الناحية الإدارية كأحد أعمدة الدولة في إدارة شئونها في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، رضى الله عنه (للاستزادة موقع "الإسلام"). جاءت "الْأَنفَالِ" مثناه ما يعنى الإشارة للعام في ثنائية العام والخاص.
وأشار إلى العام في الفيء وقوله العليم الحكيم:
* وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ * (الحشر: 6)
وقوله:
* مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ * (الحشر: 7)
عرف الفيء في الأولى وأبان التصرف فيه في الثانية.
وقوله:
* يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَيْكَ * (الأحزاب: 50)
"َأَفَاءَ" ثلاث مرات مدعمة بالعموم في "مَّا" التي تثبت العموم في الثنائية. خص تعالى في اثنتين منها الحديث عن التصرف في أموال بيت المال، والمرة الثالثة في الشرعة، فكان العام مقصود مناطه المنهاج والشرعة، وكانت الثنائية مثله. والله أعلم.
رابعا: النسخ في الخاص لا العام:
عودة إلى النسخ في آية الحج والمراد فيها هو نسخ الوضعيات وشرع من قبلنا، ما يمليه الشيطان مجازا، فيما يخص ثنائية العام والخاص ضمنها الاقتصاد. أتى الإسلام بنظم وشرائع ومنهاج تنسخ ما قبلها مما دأب عليه الفكر البشرى وتطبيقاته في تصريف أمور معيشة الناس، ومنه الحرب الحديثة بين الرأسمالية والشيوعية والقطاعين العام والخاص اقتصاديا وسياسيا، باعتبار التأويل والانتظار وخاتمية الرسالة المحمدية بالمتشابه فيها، قلبه وباطنه المنهاج. تفصيل ذلك لا يسعه المقام، إلا أن يشاء العلى القدير تعقيبا أو تبيينا منهاجيا لما ذخر به الفكر الإسلامي في هذه المسألة، وما لم يتنبهوا إليه منهاجيا.
على أن النسخ الذي قالوا به المنسوخ فيه هو العام من الشرعة أو العقيدة، وقالوا أن المعمول به المقيد هو الناسخ. الشاطبي لم يعجبه كلامهم فقال:
<وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا. كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جئ به آخرا فالأول غير معمول به والثاني هو المعمول به.
وهذا المعنى جار في تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد. فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول. والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد. ولا بد من أمثلة تبين المراد فقد روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} إنه ناسخ لقوله تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها}، وعلى هذا التحقيق تقييد لمطلق إذا كان قوله: {نؤته منها} مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة وهو قوله في الأخرى: {لمن نريد} وإلا فهو إخبار والأخبار لا يدخلها النسخ. وقال في قوله: {والشعراء يتبعهم الغاوون} إلى قوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} هو منسوخ بقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} الآية. قال مكي وقد ذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء أنه قال منسوخ، قال وهو مجاز لا حقيقة، لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه بينه حرف الاستثناء أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول، والناسخ منفصل عن المنسوخ رافع لحكمه.>
لا تدري كيف يكون فرع بلا أصل؟ كيف يكون خاص بلا عام منسوخ؟ فإن نسخ العام لم يكن للخاص أصلا يرجع إليه مع تقلب الأزمنة وتبدل الفروع. كأنهم يقولون بنسخ أصول الشريعة التي هي كليات وعموم، وتبقى الفروع معلقة في الهواء بلا جذور ترويها فتموت بعد حين، ما لم يتفق معه الشاطبي إمام الأصول. من المعلوم بديهيا أن الخاص يلزمه عام يندرج تحته وإلا انتفت عنه صفة الخصوصية، والعام لا يكون عاما إلا باشتماله على خصوصيات، أحد الصفات الأساسية في السبع المثانى، لا ينفك الطرفان عن بعضهما البعض. فيكف يكون نسخ لطرف منها؟
لو تأملنا في آية النسخ والسياق لوجدنا ارتباط وثيق بين النسخ والخاص من جهة المناسبة وتعلق الأدلة ببعضها البعض، قوله أحكم الحاكمين:
* مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّـهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 105 -6)
من جهة أن الكلام متصل بالمناسبة في الوضع، فقد عنى بالنسخ أنه يقع في الخاص في ثنائية العام والخاص، ما بينه الشاطبي في أصوله "الموافقات"، وإن لم يعمد لهذا الدليل الذي نقف عليه من الذكر الحكيم وقال:
<لما تقرر أن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر/ اقتضى ذلك أن النسخ فيها قليل لا كثير، لأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا وإن أمكن عقلا. ويدل على ذلك الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شئ. بل إنما أتى بالمدينة ما يقويها ويحكمها ويحصنها، وإذا كان كذلك لم يثبت نسخ لكلي ألبتة. ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى، فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها والجزئيات المكية قليلة.>
معلوم في الأصول والمنطق أن الكليات هي العموم، وأن الجزئيات تشير إلى الخاص، يقابلها المطلق والمقيد. ومنه أن النسخ شرعة هو في الجزئيات والخاص مثل قبلة الصلاة مع من قبلنا ومثل الصلاة فيما ذكره الشاطبي، لا نسخ الكليات والعموم، ما يفيده التأويل والاستقراء المنهاجى. فإن كان مقصدهم نسخ الحكم فذلك عليه أهل الأصول، وإن كان التلاوة فقد أثبتنا ألا نسخ فيها إطلاقا. والله أعلم.
خامسا: النسخ تفريط في المنهاج:
مما قالوه أيضا أن الناسخ محكم والمنسوخ متشابه، في ذلك قال الشاطبي:
<وإلى هذا فإن الاستقراء يبين أن الجزئيات الفرعية التي وقع فيها الناسخ والمنسوخ بالنسبة إلى ما بقي محكما قليلة. ويقوى هذا في قول من جعل المنسوخ من المتشابه وغير المنسوخ من المحكم لقوله تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}>
ما هو التفريط في المنهاج في غالبيته. المثال بين أيدينا والأنفال. ذكر الشاطبي في معرض كلامه عن النسخ أنهم قالوا بأن قوله تبارك وتعالى:
* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ * (الأنفال: 41)
ناسخ لقوله:
* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * (الأنفال: 1)
لقد رأينا أن الأخيرة فيها تأسيس منهاجي لثنائية العام والخاص، فكيف بالنسخ فيها؟ فضلا عما قاله الشاطبي من أن الأولى بيان لمبهم في الثانية، ولا نسخ من هذه الجهة أيضا. لو تفحصنا كل ما قيل في المنسوخ ستجد معظمه من متشابه المنهاج وقد ضربنا أمثلة كلما كان المقتضى، فالتعطيل للمنهاج البائن حتى هذا الزمان.
يقولون إن القرآن لا ينسخه إلا القرآن، لا ريب في ذلك، لكنهم ينسخون آياته بتأويلاتهم. أحد كتاب النسخ في هذه الأيام قال:
<استغل أهل السنة والجماعة مسألة الناسخ والمنسوخ أسوء استغلال عبر التاريخ الإسلامي، خاصة أهل السياسة والحكم والقضاة والجهلة والمتعصبون من أهل الدين الإسلامي. الكل يأخذ بفكرة النسخ للتنصل من حكم الله تعالى وتعطيل أحكام آيات القرآن الكريم والاحتماء خلف حديث كاذب مفترى وضعوه بأيديهم وردّدوه بألسنتهم وأقلامهم حتى أصبح جزءا أصيلا من أديانهم الخاصة والتي وصفوها بالإسلامية ، أديانهم هذه تظلم دين الله عز وجل و تسيئ له بل تبدله من دين سماوي الى دين ارضي و صناعة بشرية ...والنسخ على أنواع ، فمنها :1- نسخ القرآن بالقرآن ، ومثاله نَسْخ قوله تعالى : {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} 219 البقرة ، فقد نسختها آية: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} 90 المائدة، وهذا النوع من النسخ جائز بالاتفاق.>
هل هناك أو في ذلك نص صريح قرآني على هذا النسخ، أن الله قال بأن هذه تنسخ تلك، أم أنه ناتج من التأويل؟ الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نسخ السنة بالسنة كما في حديثه عن زيارة القبور قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها"، رواه مسلم. نص صريح محكم لا يفتقر إلى تأويل أو لى اللسان. فهل في القرآن نص مثل هذا يقول بأن هذا الحكم منسوخ أو أن هذه الآية تحديدا منسوخة؟ ما علم منه في القرآن هو نسخ بين الشرائع ومنها النص على تغيير قبلة الصلاة الذي تناولناه من قبل، ليس نصا على نسخ في ذات القرآن كما يدعون.
مقالة الكاتب بها مسألة الخمر والميسر وأن بها نسخ، فلننظر في قوله تعالت حكمته:
* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * (البقرة: ٢١٩)
وقوله:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * (المائدة: ٩٠)
وقوله:
* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ * (المائدة: ٩١)
الروابط بينه بين الآيات الثلاث، والإشارة الثلاثية في المساحة المشتركة بين الشرعة والمنهاج. لو تمعنت في تفاصيل تفسيرها وتأويلها لتبين لك أن كل لفظ فيها له دلالته المنهاجية، خاصة في الآية الأولى التي قالوا عنها أنها منسوخة. فالميزان الرباني بين النفع والضرر داخل في المنهاج، وداخل في أصول الشرعة كما هو معلوم، تستقل منها الشرعة بالنتيجة وهي التحريم برباط مناط التحريم، وتستقل منها العقيدة بالصد عن ذكر الله والصلاة، وفي باب الأخلاق من المنهاج تقع العداوة والبغضاء. ففي الأولى والثالثة منهاج، وفي الثانية شرعة، وفي الثالثة من العقيدة والعبادات. فيها تفصيل لمن يهده الله ويمن عليه بعلم من فضله. منه أن ليس في كلام الله نسخا البته، تلاوة ودلالة، شكلا ومضمونا، ظاهرا وباطنا، تعالى عما يصفون. وأما النسخ في الأحكام ففي الخاص والجزئيات لا العام والكليات، أهل الأصول على علم بالمنهاج لهم القول الفصل.
ترى لمَ لمْ يكرر جل شأنه الأنصاب والأزلام مثلما كرر الخمر والميسر ثلاثا بالرغم مما يقولونه من نسخ؟ إن كانت الثانية ناسخة للأولى فما مقام الأنصاب والأزلام في النسخ؟ منهاجيا، ذلك للتدليل على المثانى بإثنين، والتدليل على المنهاج بثلاثية من الإثنين، ولأن الخمر والميسر مشترك الأحكام بين الثلاث آيات. مثله ما سبق من تكرار تكليف قبلة الصلاة للمفرد والجمع مع أن التكليف للرسول عليه الصلاة والسلام يكفي على المسلمين، ومثل ما سبق مع الحرج في الاضطرار والمشقة. من ثم كانت الآيات الثلاث مطلوبة في المنهاج بلا نسخ فيما بينها، جاز معه كمثال أن يكون في الأنصاب والأزلام صد عن سبيل الله مثل الخمر والميسر كحكم مشترك بين الثانية والثالثة، لأن الحكم مع الرابط سائغ في كل مناطاته، بلغة الأصول الاشتراك في علة الحكم أو دورانه مع العلة. الأولى والثالثة من المتشابهات، أما الثانية ففيها إحكام لغوى ما يجعلها محكم المنهاجية، وعلى هذا تجد ثلاثيات التدليل فيجئ إحداها محكما ومرجعيا في الاعتقاد، مثل الصد عن سبيل الله في هذه المنهاجية. العجيب في الأولى تضمين قوله: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ"، فليست المناسبة ببينة مع الخمر والميسر إلا أن يكون التدليل على متشابه المثانى داخليا في نفس الآية بتكرار لفظ "يسألونك"، فمتشابه التكرار، وفيها دليل ثان على المتشابه هو أن العفو لا ينفق، من المجاز. من ذلك كانت المنهاجية شاملة لحكم شرعي وتدليل اعتقادي ومنهاج الميزان بين النفع والضرر في الأصول، تبيينا للمساحة المشتركة بين الأقسام الثلاثة، الاعتقاد والشرعة والمنهاج. بهذه الفوائد وأكثر منها كيف يكون نسخ فيها؟ تعالى الله عما يصفون. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والحمد لله رب العالمين ذو الفضل العظيم، هو الهادي إلى صراطه المستقيم وبه نستعين.
-----------------------------
الإنشاء: MINHAGEAT.COM
مايو 2014
- 6 views