مثانى:
مثانى:
المرجعية:
قوله تعالى: ** اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِي **
الموضوعات:
- 572 views
التلازم فى المثانى يجب النسخ.
التلازم فى المثانى يجب النسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * (البقرة: 183 - 6)
بإذن الرحمن الرحيم ستكون هذه الآيات الكريمة موضوعا لعدة رمضانيات.
السادسة:
ختاما لرمضانيات هذا العام، أعاده الله عليكم وعلينا وأمة الإسلام رمضاناً وعيداً باليمن والإسعاد، نتناول هنا التدليل الثالث الذي ذكرناه في الرمضانية الأولى عن تثنية الترخيص عند المرض أو السفر في الآيات الكريمة من أنها تدلل من ناحية ثالثة على بطلان مزاعم الذين يقولون بالنسخ.
بداية، إن قلنا أن هذه الرخصة جارية في المنهاج مجرى الشرعة لزمنا الدليل الثالث، فما جاء في آيات البقرة هذه دليلان فقط استدلالا على المثانى. من حيث أنه ترخيص على شرط المرض أو السفر مقترنان وبصرف النظر عن مناط الحكم، فقد كرر شرط الترخيص مرتين أخريين في قوله الرؤوف الرحيم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا * ﴿النساء: ٤٣﴾
وقوله الحق:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * ﴿المائدة: ٦﴾
تعجب أن التكرار جاء بخطاب المفرد مرتين مع الصيام في البقرة، وجاء تثنية بخطاب الجمع مع الصلاة والوضوء في النساء والمائدة، فثبتت بذلك التثنية الثالثة بثنائية الفرد والمجتمع. كما ثبت دليل التثنية المنهاجية مرة أخرى في الشرط باقتران المرض والسفر، لأنه قد سنت رخص أخرى على شرط المرض وحده دون السفر مقترنا، فدل الاقتران على تثنية منهاجية. بل إنه تدليل مركب على المثانى، لأن كل من خطاب المفرد جاء مثنى، وخطاب الجمع جاء مثنى أيضا، زد على ذلك تثنية على نوعية الخطاب في ذاته فقد جاء مرة للغائب في الأوليتين وقوله: "مَن كَانَ"، وجاء للمخاطب في الأخريتين وقوله: "وَإِن كُنتُم"، ثم زد عليه تثنية على مناط الحكم في الرخصة ولازمه شرط صحته، الصلاة والوضوء. كأن ثنائية الفرد والمجتمع هي الجامعة لكل الثنائيات تحت الرخصة على شرط المرض أو السفر، دليل شرط الرخصة مكررا أربع مرات. وهو في آن واحد ومن جهة ثانية تدليل على المركب في المثانى الذي تصطبغ به مع البنيانية فيها، المركب الذي أشرنا إليه في معرض النسخ وقوله: "نَسْتَنسِخُ" في مقالة "النسخ على المثانى". أضف إلى ذلك الثلاثية في قوله: "امْسَحُوا"، و"بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم"، والتثنية في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"، و "الصَّلَاة"، و"جُنُبًا"، والغسل، ثم "أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا". من هنا تدرك كم أن بحر المثانى شطآنه عزيزة المنال، ما قلناه مع "علم المثانى" في الرمضانية الخامسة، لأن هنا غوص في مياه المثانى بكر على المتسع، شرعة ومنهاجا.
النسخ لا قاعدة له:
ما سبق هو بنيان منهاجي لا يستقيم بغير الوقوف على كل لبنة فيه، بل كل حرف فيه، من ثم لا مكان لأية مقالة في النسخ. معلوم في الفكر الاسلامي عند الأصوليين والفقهاء والكلاميين والمفسرين سواء أن من قال في القرآن بلا قاعدة فهو تقول على الله، نستغفره ونتوب إليه. ومن قال في النسخ لا تجد له قاعدة ولا قانون، إلا تأويلاتهم المفتوحة، وإلا أن تكون القاعدة "النسخ يكون في العام" أو "النسخ يكون في المتشابه"، باطل برمته. خذ مثالا من الآيات الكريمة بين أيدينا في سورتى النساء والمائدة، قيل في آية النساء على النسخ:
< ... قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} الآية.
حرّم الله في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ في حال سكر. فَفُهِمَ من الخطاب جوازُ السُّكْرِ في غير الصلاة. ومفهوم الخطاب كَنَصِّ القرآن يُعْمَلُ به ويقطع على مغيبه فَنَسَخَ ما أباح المفهومُ مِن الآية من جواز شُرْبِ المسكر في غير الصَّلاة بتحريم المسكر. فالبيِّنُ في هذا أن يكونَ أُريدَ به السُّكْرُ مِن المسكر قبل تحريمه، ثم نُسِخَ وحُرِّم.
وقد روى أبو مَيْسَرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نَزَلَتْ: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارَى} كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصَّلاةَ نادى: لا يقربَنَّ الصَّلاةَ سكران.
وقد قال عكرمة: إن قوله: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} نسخه قولُه: {يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية. يريد أنه كان أُبيحَ لَهُم أن يُؤَخِّروا الصلاةَ في حال السُّكْر حتى يزولَ السُّكر، إذ كانت الخمرُ غيرَ مُحَرَّمة، ثم نُسِخَ ذلك فأُمروا بالصلاة على كل حال، ونُسِخَ شُرْبُ المسكر بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ} [المائدة: 91]، وبقوله: {فاجْتَنِبُوه} [المائدة: 91]، فنسخَ ما فُهِمَ مِن الخطاب بتحريم الخمر في قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون}. وهذا قولُ أَكثرِ العُلماء.
وقيل: الآيةُ مُحْكَمة، ومعنى السُّكْر فيها: السُّكْر من النوم لا من المسكر، وهو قول الضحاك وزيد بن أسلم. ويجب أن يكونَ المفهومَ من الخطاب على هذا القول (جوازُ قربانها) بسُكْر غير سُكْرِ النوم، ثم نُسِخَ هذا المفهوم بتحريم المسكر والسُّكْر بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون}.
ومن مفهوم الآية أيضاً جوازُ قرب الصَّلاة في غير حال السُّكْرِ جوازاً عاماً بغير شرط وضوء ولا غُسْل، فنسخ ذلك آيةُ الوضوء والغُسْلِ في المائدة، وصار الفرضُ المحكم أَلاَّ تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلا في غير حال سكر بوضوء وطُهر، ويجوز أن يكون ذلك بياناً (وتفسيراً لآية النساء)، وليس بنسخ المفهوم منها.>ا.ه
تضاربت الأقوال لأنه ليس بقاعدة تحت ما يقولون، وما قالوه من نسخ ليس إلا تأويلا وتفسيرا بالمفهوم، ليس نصا قرآنيا. التضارب ينسحب على هل يكون النسخ في ذات القرآن أم أن النسخ بين الشرائع. قد كان شرب الخمر مباحا في شرع من قبلنا ثم حرم تحريما صريحا بلا تأويل في آية أخرى، قوله: "إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..." الآية، وما حرم هنا هو الصلاة مع السكر، نسخ لشرع من قبلنا، ومن قال بذلك فقد أصاب. أما أن هذه الآية منسوخة بآية المائدة فلم يرد بهذا النسخ نص قرآني، بل ما قالوه من قبل المفهوم، المفهوم في العقل لا النقل، ولا ينسخ القرآن بتأويل، وما نري فيها شبهة آيات متشابهات تفتقر إلى تأويل.
نسخ النساء بالمائدة:
حول آية المائدة قالوا:
< ... قوله تعالى: {يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ}.
(هذه الآية) عند جماعة ناسخةٌ لقوله: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وأَنتُمْ سُكَارَى} [النساء:43]؛ لأن مفهومَ الخطاب جوازُ قُرْبِ الصلاةِ لغير السَّكران جوازاً عاماً بلا شرط غَسلٍ ولا وضوء، ثم منع في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلاّ بالغسل المذكور للأعضاء المذكورة، والمسح للرأس.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ لفعل النبي - عليه السلام - كان إذا أَحدَثَ لم يُكلِّم أحداً حتى يتوضأ، فنسخَ اللهُ ذلك بالأمر بالوضوء عند القيام إلى الصَّلاة. ...
وقد قيل: إن ظاهرَ الآية إيجابُ الوضوء على كل مَن قام إلى صَلاةٍ، وإن كان على وضوء، لكنه نسخ بتواتر الأخبار أن النبي - عليه السلام - كان يُصَلِّي صلواتٍ بوضوء واحد، وبالإِجماع على جواز ذلك وفعله.
والأحسن أن يقال: خُصِّصَ وبُيِّنَ بالإِجماع على جواز صلواتٍ بوضوء واحد، وبالسُّنَّةِ المتواترة بفعل [النبي صلى الله عليه وسلم] ذلك، فيكون مخصَّصاً ومبيَّناً أولى من أن يكون منسوخاً، هذا على قول من لم يُجِزْ النسخ بالإِجماع ولا بالسنّة المتواترة؛ إذ لا اختلاف في جواز تخصيص القرآن وتبيينه (بالإِجماع وبالسُّنَّةِ المتواترة). ...
وقد قال زيدُ بنُ أسلم: الآية مخصوصةٌ يراد بها مَن كان على غير طهارة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وعليه جماعة الفقهاء، وهو الصواب، إن شاء الله. فيدخل تحت الحدث النوم وغيره؛ فالآية محكمة في هذه الأقوال.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: فَرْضُ غَسْلِ الرِّجْلَين ناسخٌ للمسح على الخفين. وعن عائشة وأبي هريرة أنهما منعا المسح على الخفين وهي رواية ضعيفة.
وأكثر الفقهاء وأهل السنّة وأهل الحديث، وأكثر الرواة عن الصحابة والتابعين على جواز المسح على الخفين في (السفر والحضر). فهو غير منسوخ، بل هو توسعة وتخفيف على المسلمين. وهو بدل من الغسل.
فأمّا من قرأ: "وأرجُلِكُم" - بالخفض - فهي قراءة مُجْمَعٌ عليه لا اختلاف في جوازها والقراءة بها. وهي توجب جواز المسح على (الأرجل) وليس على ذلك عمل. وقد قيل فيه أقوال:
وقيل: هو (محكم) منسوخ بفعل النبي - عليه السلام - وغسله لرجليه دون أن يمسح، نقل ذلك نقلاً متواتراً...
فأما المسح على الخفين:
فإن ابن عباس يقول: "مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخفين قبل نزول المائدة"، فلما نزلت المائدة بالغَسْل نسخَ ذلك المسحَ، وقال: "والله ما مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد المائدة".
وقال جريرُ بن عبد الله: مسح النبي - عليه السلام - على الخفين بعد نزول المائدة - وكان إسلامُ جرير بعد نزول المائدة في (شهر) رمضان سنة عشر - وعلى هذا أكثر الناس لأن من أثبت أولى بالقبول ممّن نفي. هذا أصل مجمع عليه.
وقد اختلف قولُ مالك في جواز المسح (على الخفين) للمقيم. وعلى جوازه أكثر أهل السنّة.> ا.ه.
قال جماعة أن آية المائدة ناسخة لآية النساء وفي الأخيرة تحريم الصلاة عند السكر، مستندين إلى مفهوم الخطاب في العقل لا النقل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. النكتة أن منهم من قال أن الآيات محكمة، كليهما النساء والمائدة، فما مكان التأويل بالمفهوم، وكيف ينسخ محكما؟ ومنهم من يقول أن هذه مخصصة أو مبينة لتلك، ولا ضير. ومنهم من يجيز النسخ في القرآن بالإجماع أو بالسنة المتواترة، نستغفر الله ونتوب إليه. من ثم لا قاعدة مشهودة يقينية تسري مسرى اليقين في الذكر الحكيم إذا كان الأمر متعلقا بآياته. لقد ذكروا الشاهد الذي نسعى إليه: "من أثبت أولى بالقبول ممن نفي. هذا أصل مجمع عليه". فكل تدبر للقرآن يلزمه قاعدة أو قانون مثل هذا الأصل، إما مجمع عليه أو أن في ذاته اليقين من الذكر الحكيم. لا نقصد القول بالنسخ إنما قاعدة تأويلية ينبني عليها النسخ أيا كان مثل ما ذكروه من أصل مجمع عليه. وفي الخلاصة كما قلنا لم ينزل القرآن كي ينسخه بشر بتأويل، كان إجماعا أو سنة متواترة، فالسنة لا تنسخ القرآن، إنما مبينة له معلوم لدى الكافة، ذكر فيما قالوه عاليه، قوله الكبير المتعال:
* وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * (النحل: 44)
يتفكرون في البيان لا في نسخ ما هو في حاجة إلى بيان، ولم ينم إلى علمنا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بنسخ أحاديثه للقرآن لأنه يعلم أن ذلك من الكفر. نحن لا نطعن على المفهوم ولا المفهوم المخالف، لا الإجماع ولا السنة المتواترة أو أى من طرق التدبر والتقعيد، إنما طعننا على تلبيسها في نسخ آيات الله البينات وكلامه المقدس.
قد كان ذلك المرصد الأول لإبطال مقولات النسخ في الذكر الحكيم، أن ليس هناك قاعدة أو قانون، إنما تأويلات على هوى العقول. الثاني أن القرآن الكريم لم يتنزل كى ينسخه بشر بتأويل، معلوم ابتداءاً. الثالث أن ليس هناك نص قرآني صريح بنسخ في ذات القرآن، كما يقولون نسخ للقرآن بالقرآن. الرابع أن ما اشتبهوا في نسخه من المتشابه غالبه وفيه المنهاج والمثاني على ما رأينا، وعلى ما سطر الإمام الشاطبي، رحمه الله، ومن ماثله من الأصوليين، من أن نسخهم غالبه في العام والمتشابه. الخامس أن المعنى الحقيقي للنسخ في قوله: "مَا نَنسَخْ..." الآية، هو نسخ لآيات الإعجاز لا التلاوة، وما ورد منه في الذكر الحكيم هو نسخ بين الشرائع، شرع من قبلنا وقبلهم، لا في ذات القرآن، سبق تبيينه مع مقالات "الطير في الفاتيكان". السادس أن هنا ثنائية من السبع المثانى وفيها التلازم، ثنائية المجتمع والفرد، لا ينسخ المجتمع بالفرد ولا العكس، مثله لا ينسخ الخاص العام ولا العكس لتلازمهما تلازم "كينونة". فرخصة الإفطار على شرط المرض أو السفر سارية فرضت برحمته أرحم الرحمين في كل صيام، في كل الشرائع السماوية، العموم الثابت مع تقلب الأزمنة. فإن نسخت كأنها نسخ لرحمته تعالى بعباده في الرخص تحت أية رسالة أو نبوة، نستغفره ونتوب إليه. ما نقصده هو التلاوة وليس الحكم الذي لازمه التخصيص. يقولون بنسخ آية المائدة لآية النساء وفيهما سويا بنيان منهاجي يستأهل كتابا بكامله أو يزيد تبيانا لمنهاج الله.
المثال البين في تلازم العام والخاص بحيث لا يستتبع نسخا هو في قبلة الصلاة. قال العزيز الحكيم:
* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * (البقرة: 114 - 5).
في التثنية قال:
* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 142)
السؤال عن التغير في القبلة والجواب بالعام لا الخاص، وأن ذلك من السفهاء باطل أصله، راجع إلى أحكم الحاكمين جل شأنه. جاءت الآيات الكريمة في سياق الحديث عن القبلة في سورة البقرة، بدأها سبحانه بالعام عن المساجد ثم في أن القبلة أينما كانت فهي صحيحة، ليس من ذنب يرتكب في التوجه إلى الله حيث وجهه تعالى ليس محددا بمكان، من صفات الذات الإلهية في قوله: "أَيْنَمَا تُوَلُّوا"، ما يدخل مع المتكلمين في مشكل "الجهة" أو المكان، حيث تغاضى بعضهم عن أن الله مطلق الأزمنة والأمكنة في وجوده، فيه تفصيل بإذنه تعالى.
ثني قوله: "لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ" تدليلا على المثانى في القبلة، ثنائية العام والخاص. جاء الخاص تاليا للعام في نفس سياق الحديث عن القبلة دليلا على أسبقية العام فقال أحكم الحاكمين:
* وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ* (البقرة: 143 - 4)
وردت فيها ثنائية المجتمع والفرد، سبق تبيانها، وفيها القبلة الإسلامية التي هي الخاص من التوجه إلى الله حيث هو في كل مكان. وقد كان قبلها في النصرانية واليهودية قبلة خاصة بهم كما هو معلوم، حتى أن اليهود كانوا يتخذون من بيوتهم قبلة للصلاة، قوله: "وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً"، قبلة غير موحدة بخلاف قبلة الإسلام، بيت الله الحرام، فيها التوحد بين المسلمين في الإيمان. كلها من حيث هي قبلة تخضع لهذا العام من أنه أينما تولوا للصلاة فثمة وجه الله الكريم. في الإسلام إن كان مسافرا في قطار، أو طائرة، أو سفينة أو سفينة فضاء، مكان متحرك لا يعدم فيه عدم التيقن من القبلة، فأينما ولى وجهه للصلاة فصلاته صحيحة، وأينما ولى وجهه للصلاة متوخيا التوجه لبيت الله الحرام ثم تغيرت بحركة المقلة فليس عليه من ذنب، وصلاته صحيحة بهذا العام في الإيمان، قصد الخاص المعمول به وسانده العام فيما فيه تغير.
في حقيقة الأمر أن التوجه يكون إلى العام لا إلى الخاص بذاته وصفاته. فتولى المسجد الحرام هو تولى لوجه الله حيث هو في كل مكان من زاوية معينة محددة مخصصة للإسلام، أن الصلاة ليست للمسجد الحرام، مفروغ منه. فإن كان من نسخ للعام هنا كما يقول أهل النسخ، وقعت الصلاة للمسجد الحرام لا لوجه الله، ووجب الإستغفار ومن سبقونا بالإيمان. قارب المعنى في ذلك قول الإمام الشاطبي، رحمه الله، أن الخاص المعمول به هو جزء من الكلى أو العام لا ينسخ سائره: "إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول". من ثم يكمننا القول بأن العام هو المطلوب أصلا بإعمال الخصوص، من حيث أن العام ضالع في ثوابت الدين ومن حيث هي شرعة، أما الخاص فمتغيره.
ما أفاده الشاطبي من طريق النسخ: "لما تقرر أن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر اقتضى ذلك أن النسخ فيها قليل لا كثير لأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا وإن أمكن عقلا. ويدل على ذلك الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات وجميع ذلك لم ينسخ منه شئ بل إنما أتى بالمدينة ما يقويها ويحكمها ويحصنها وإذا كان كذلك لم يثبت نسخ لكلي ألبتة. ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها والجزئيات المكية قليلة."
أما قول الواسع العليم جل ذكره:
* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * (البقرة: 145)
فيه إشارة المنهاج ومثانيه بتكرار القبلة ثلاث مرات، وتثنية الإتباع على الفعل مرتين ومصدر الفعل مرتين. وفيه الخصوص بأن لكل شريعة قبلتها. من المتشابهات من جهتين: جهة التكرار وجهة أنه لم يكن لليهود قبلة محددة مثل قبلة الإسلام المسجد الحرام، فاحتمل المعنى غير قبلة الصلاة الطبيعية، قبلة معنوية كسبل العبادة وطرائقها في العموم، ما يشير إلى العام في المقصود، يؤكده قوله: "بِكُلِّ آيَةٍ"، ويؤكده التبعيض المثنى، في حاجة إلى تفصيل. هنا يصدق قول الأصوليون أن الخاص هو ما يعمل به لا ينفي العام ولا ينسخه، مقالة الشاطبي على سبيل المثال. مغزى العموم ينسحب على مناطين، أولهما فيما بين الشرائع من عموم كالإيمان بالخالق لا إله إلا هو واحد أحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وأنى تولوا تحت أية نبوة أو رسالة، كأنه توحيد للشرائع على منهاج الحق تعالت حكمته وصراطه المستقيم. ثانيهما في الشريعة نفسها لضبط الخاص بالعام أو تكييفه بلغة الأصوليين. تجد هذه المرجعية في قوله الحكيم العليم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * (النساء: 59)
وقوله:
* وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا * (النساء: 83)
الآيتان في سورة واحدة معتنيتان بالرد والمرجعية. الأولى فيها ثلاث ثنائيات فالإشارة للمنهاج ومثانيه، يرد إليهما ما أختلف عليه في الشرعة. في التعقيب أن هذا المنهج هو أخير من رد التنازع إلى قواعد أو أهواء أخرى كما هو معلوم، وهو في آن أحسن تأويلا. في الثانية تثليث لفظ الجلالة وتثنية الرد وأولى الأمر، الرباط أو القرينة (لم تحرر بعد قواعدها في المنهاج) بين الآيتين، تأكيدا للمطلوب تكييف الشرعة بالمنهاج. أساس ذلك أن ليس في المنهاج تغير بين الشرائع، الأزمنة والأمكنة، ثباته من كليته وهو المثل الأعلى، فكانت مرجعيته في الرد، وهي عموم مسندات المرجعية في النظر في كل العلوم، باحتمال إعجاز علمي على هذا الوجه، والله أعلم. أما الشرعة فثابت التغير فيها، إما زمنيا بين الشرائع والرسالات، وإما في نفس الشريعة، وإن دار الحكم مع العلة ثباتا، علة الأصول في مبناها. فيه تفصيل أصحاب الأصول لهم اليد، والله أعلم.
منه فقد لزم الخاص العام، لا ينفك عنه لأنه أصل له لا يستقيم إلا به، وقد يكون من تغير مع الأزمنة، والأمكنة والشرائط والشرائع. وعليه فمن نافلة القول أن من يتوجه إلى الله وهو على دين الإسلام ولم يحز توجهه تمام قبلة المسجد الحرام فلم يحنث، ولم يفترق عن دين الإسلام بهذا العموم في القبلة والإيمان بالخالق حيث هو أينما تولوا، بالطبع بشرط النية، التوجه الخالص لوجه الله. مثل هذا التلازم في كل السبع المثانى إن كان من نص فيها وقع له نسخ بتأويل وما أكثره على ما رأينا، وقد دللنا على أنه باطل برمته. هنا مثال على ضبط الأحكام الشرعية وتكييفها بمنهاج المثانى، أهل الأصول أهل لها بهذا الاعتبار. والله أعلم، منه الهدى وله الفضل.
أحياكم الله وإيانا إلى رمضانيات أخر، وكل عام وأنتم رافلين في حلل من الإيمان واليقين والرخاء والسلام، بإذنه تعالى الملك القدوس السلام.
-----------------------------
الإنشاء : [Minhageat.com]
أغسطس 2014
- 86 views
التلازم فى المثانى.
التلازم فى المثانى.
من حديث المثانى الاقتران والتلازم بين عنصري الثنائية، ذكرناه من قبل، أنهما لا ينفكان عن بعضهما البعض وجودا وعدما، فمتى كان هناك شكل كان له مضمون، ومتى كانت هناك غاية كانت لها وسيلة، ومتى كان هناك عام كان تحته خصوص، والعكس صحيح فى كليات الوجود.
نحن لا نقول في المثانى إلا بأدلة من الذكر الحكيم، فإذا تماشت الوضعيات مع القرآنيات فليس معنى ذلك أننا نستدل بالأولى على الأخيرة. في مواضع آخري قلنا ما معناه إن حدث ذلك فهنا مكان لهدى الله المباشر. في الاقتران والتلازم بين عنصري الثنائية دليله في الذكر الحكيم وقوله أحكم الحاكمين:
* لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (البقرة: 256)
وقوله:
* وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * (لقمان: 20 -2)
ذكر لفظ الجلالة مرتين في كل آية من الآيتين، وكرر الاستمساك بالعروة الوثقى على مدار الذكر الحكيم مرتين فقط إشارة للمثاني (انظر: "تساؤلات المنهاج"). اقترنت الأولى بعدم الانفصام، قوله تعالي: "لَا انفِصَامَ لَهَا" صفة للعروة الوثقى. أن من الصفات الأساسية للسبع المثانى التلازم، لا ينفك أحد عنصري أو طرفي الثنائية عن الآخر، وجودا وعدما.
لا نعتقد - على قدر علمنا - أن الفلسفات الوضعية قد نبهت لهذه الصفة في الجدل. عند ماركس (MARX) مثلا، وهو متأخر عن هيجل (HEGEL) أبو الجدل الحديث (DIALECTICS)، هناك البروليتاريا والرأسمالية كعنصري جدلية التناقض والصراع. مآل الحل أو صيرورة الجدل أن يختفي أحد الطرفين، الرأسمالية، بالتالي لا تلازم. صاحباه ماركس وإنجلز (ENGLES) وصفاه بالجدل المادي (DIALECTICAL MATERIALISM). وهو كذلك فليس بجدل منهاجي ولا من السبع المثانى (SEVEN DUALISMS) التي هي كليات الوجود (UNIVERSALITIES/CATEGORIES OF BEING). أما هيجل، رحمه الله، رغم صعوبة قراءة فلسفته كما يقول الهيجليون أنفسهم، إلا أننا نستطيع القول بأنه لم يقل بتحول أحد العنصرين للآخر كما فعل ماركس، كما لم يشدد على مسألة التلازم بين عنصري الثنائية أو الجدلية، فإن كان من انتقال أو تحول فهو للجدلية برمتها، العنصران سويا في مركب جديد، أصحاب الفلسفة أدرى بشعابها. الذي نبه إلى هذا التلازم قبل أهل الجدل الغربيين هو الإمام الغزالي، رحمه الله، في قوله: "وكل علم مطلوب فلا يمكن أن يستفاد إلا من علمين هما أصلان، ولا كل أصلين بل إذا وقع بينهما ازدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص. فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علماً ثالثاً وهو المطلوب"، سبق في مقالة "النسخ على المثانى". جدير بالذكر أن الإمام لم يستند في مقولته هذه على الدليل النقلي من الذكر الحكيم الذي نحن بصدده، كما أن التلازم فيها بين العلمين (العنصرين أو طرفي الثنائية) ليس مباشراً إنما يستفاد عقليا من شرط الازدواج. غالب الأمر هدى من الله جل فضله من خلال التصوف والتقرب إلى الخالق. غنى عن القول أن لغة المنهاج هذه لم تكن معروفة قبلنا، ولله الفضل والمنة، (انظر: "تساؤلات المنهاج").
صفة التلازم تفرق بين أنواع من المثانى، السبع المثانى فقط هي التي تجد فيها هذه الصفة. فإن قلت أن الأبيض والأسود ثنائية من الثنائيات فهى ليست كلية من كليات الوجود وليست من السبع المثانى لأنه يمكن أن يكون عندك أبيض بلا أسود معه أو مستتر فيه واقعا إلا في المنطق والمعرفة، من ثم لا تلازم في الثنائية من حيث الإدراك والواقع. أما أن تقول بأن اللون يعبر عن شكل من الأشكال فلا بد من موضوع تحته، جوهر بلغة القدماء، ماهية بلغة المناطقة، ثنائية كلية جامعة لكل ما يعرفه البشر من موجودات مادية كانت أو عقلية. فما هو هذا الأبيض إجابة الموضوع. مثل ذلك في الأديان، إن قلنا أن الجنة والنار ثنائية على التقابل ليس فيها ولا يلزمها تلازم، فليست من كليات الوجود وإن كانت تشكل صيرورته، إما أن ينال المرء الجنة فى الثواب أو تناله النار بالعذاب، منفصلان من حيث الجزاء واقعا. أما أن الجنة والنار متلازمان من حيث الوجود ككينونة دينية عقائدية فمحل نظر فى علم المثانى، فيها تفصيل للتمييز بينها وبين الأنواع الأخرى من المثانى.
المرتد الدكتور نصر حامد أبوزيد في كتاباته عن القرآن أسهب وأسهل في الجدليات حتى فاضت صفحاته بالجدليات، كل شيء عنده في جدلية ما معتبرا اللغويات، لا يطلق عليها ثنائية. من ذلك جدلية الله / الإنسان (يضعها هكذا بين العنصرين شرطة مائلة). فلو اعتبرناها جدلية صحيحة أو ثنائية من السبع المثانى، كان التلازم فيها يعنى الكفر. من ثم خرجت من حيز الثنائيات المعتبرة وليست بجدلية حقيقية إلا فى دماغه. مسألة كلامية أن الإنسان مخلوق لله، وما تلازم أو سبق المخلوق الخالق، والله غنى عن العلمين، الإنسان يفنى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فليس من تلازم وجودا وعدما، والعدم يرجع إلى الإنسان. أما أن هناك "جدل" بين العبد والرب فمسألة تكتنف الكفر أيضا، لم تستبين على المثانى عندنا بعد، تقتضي التعريف والتفرقة بين الجدل والجدال. أما أن هناك "جدال" بينهما فهذا وارد ثابت في الذكر الحكيم، قول الجليل الباقي جل ذكره:
* هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّـهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * (النساء: 109)
ذكر فعل الجدال مرتين في نفس الآية دليل المثانى قاطع. ألم تر أن ذكر العروة الوثقى في سورة لقمان جاء تعقيبا على الحديث عن ثنائية الباطن والظاهر ثم الجدل والعلم فجمع بين النوع وصفته؟ قوله أحكم الحاكمين:
* أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * (لقمان: 20 -2)
يمثل هذا الموضوع الدسم انعطافه كبيرة في دراسات المثانى والثنائيات والجدل والجدليات والسبع المثانى على وجه الخصوص، لكل مجتهد نصيب. هي انعطافه تبرهن على أن علم الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا في العقول حيث تقازمت الوضعيات. هنا نستدعى مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في الحكم بين الناس بما أنزل الله والشهادة عليهم، قال فى كتابه "درء تعارض النقل والعقل":
< والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام فى الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين، في دلائله وفى مسائله، نفيا وإثباتا. فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى:
* كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 213)
وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف.>
فى الآية الكريمة المشهود بها كرر كل من لفظ الجلالة والاختلاف ثلاث مرات، والناس والحق والهدى على المثانى، دليلا على منهاج الله على المثانى والاختلاف فيه بين الأمم، فساغت مقولة شيخ الإسلام في هذا المقام.
والله أعلم، هو الهادي إلى سواء الصراط.
في كتاب "إشراق المنهاج" إحاطة وتفصيل أكثر عن السبع المثانى والتلازم فيها، وبالله التوفيق.
---------------
- 60 views
النسخ على المثانى.
النسخ على المثانى.
من الله علينا من علمه وله الحمد بمقالتين منفصلتين في النسخ، فضلا عن موضوع إعجاز الطير في الفاتيكان، تثبت نفي النسخ في ذات القرآن، إنما المقصود هو نسخ بمفهوم زمني فيما بين الرسالات والنبوات، كان في الشرعة أو المنهاج أو معجزات الاعتقاد، إلا ما كان فيه نص نقلى لا نقف عليه إلا في السنة مثل حديثه صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور وهو نص لا يفتقر إلى تأويل. منه خلصنا إلى أن القرآن ما تنزل كي ينسخه بشر بتأويل. في هذا المقام نبسط نظرنا في حقيقة المقصود بالنسخ بمنظار المنهاج وما هو مقصود فيه على المثانى.
أولا: بيان النسخ:
قال العليم الحكيم جل ذكره:
* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 106)
وقال:
* وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُاللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * (الحج: 52)
ثنى النسخ مطابقا في فعل المضارع المستمر: "نَنسَخْ" و"يَنسَخُ اللَّـهُ" على مدار الذكر الحكيم في الآيتين الكريمتين، فكان مناطه الأصلي المثانى. الأخيرة من متشابهات التكرار ( انظر "تساؤلات المنهاج")، جاء فيها لفظ الجلالة ثلاثا ليدلل على المنهاج، ومن ذلك الرسول ثلاثا من البعيد، ثم إشارات المثانى في "الشَّيْطَانُ" مطابقة، وفي التمني والإلقاء والنبوة والإحكام والنفي، خمسة على الجذر من البعيد، عزيزة المنال في التأويل، إلى جانب دليل المتشابه في قوله: "أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" من المجاز. تفيد في الإجمال النسخ ثم الإحكام في المنهاج على المثانى مع كل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أما أن ذلك فيه علم غزير وعلى علم ففي قوله: "عَلِيمٌ". وكلما تبدى طيف التبيين بالألوان كما ترى كلما زاد العلم في المنهاج وبحره اللجي. الإحكام تناولناه من قبل في موضوع "الإتقان في الإحكام"، ليس المقصود به المحكمات في آل عمران، إنما الإحكام من حيث أنه فعل الوضع في افتتاحية سورة هود وقوله تعالى:
* الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ*
ثنى الإحكام في هود والحج، فكان المقصود إحكام المثانى المعجز، وإحكام المحكمات والمتشابهات كليهما، مما يترتبه من معنى النسخ في الذكر الحكيم أنه نسخ بين الرسالات والشرائع والمنهاج وما اكتنفته من معجزات وأحكام، ونسخ ما يلقى الشيطان ضمنه أحكام الجاهلية، المعنى واحد بمثابة الشمس من الظل. في ذلك قال الشاطبي رحمه الله في موافقاته:
< ووجه رابع يدل على قلة النسخ وندوره أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ عند الأصوليين كالخمر والربا فإن تحريمهما بعد ما كانا على حكم الأصل لا يعد نسخا لحكم الإباحة الأصلية. ولذلك قالوا في حد النسخ إنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، ومثله رفع براءة الذمة بدليل، وقد كانوا في الصلاة يكلم بعضهم بعضا إلى أن نزل: {وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ}. وروى أنهم كانوا يلتفتون في الصلاة إلى أن نزل: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. قالوا وهذا إنما نسخ أمرا كانوا عليه وأكثر القرآن على ذلك. معنى هذا أنهم كانوا يفعلون ذلك بحكم الأصل من الإباحة فهو مما لا يعد نسخا، وهكذا كل ما أبطله الشرع من أحكام الجاهلية. فإذا اجتمعت هذه الأمور ونظرت إلى الأدلة من الكتاب والسنة لم يتخلص في يدك من منسوخها إلا ما هو نادر.>
نسخ أحكام الجاهلية بمثابة نسخ لما كان قبل نزول القرآن سواء في شرع من قبلنا أو الوضعيات كانت جاهلية أو عقليات، المراد العموم فيما يلقى الشيطان مجازا، ساغ أن يكون بالمضارع المستمر لا ينقطع مع العباد فى التعبد. مثل ذلك أن مفاد النسخ بالمضارع المستمر"نَنسَخْ" و"فَيَنسَخُ" لا يعقل أن ينسحب على القرآن فى كل زمان مهما تضافرت عليه الأدلة، فهى واهية. والله أعلم.
وفي النسخ قال جلت حكمته:
* وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴿٢٧﴾ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴿٢٩﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴿٣٠﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ * (الجاثية: 27-30)
تأويلا على المنهاج وطرائقه فإن قوله تعالي: "نَسْتَنسِخُ" هنا بمعنى نسخ الشمس للظل، لا بمعنى نقل الصورة. الأخير ما قاله المفسرون من أن الملائكة تكتب أعمال العباد، جائز على الظاهر، جاء مراده في مواضع أخرى من المحكمات، وهنا متشابه. لو كان كذلك على الحقيقة لما اقتضى التضعيف في الفعل وأوفت "ننسخ" بالمطلوب، ثم عدت بذلك "نَسْتَنسِخُ" تكلفا وهو باطل، التأويل الأرجح. سياق الآيات منهاجيا مستوفيا المعنى يبدأ مع ملك الله وينتهي بالقوم المجرمين. تجد الإشارة للمثاني في "يَوْمَ" و "كِتَابُ" و"مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"، وفي الطباق بين "الَّذِينَ آمَنُوا" و"الَّذِينَ كَفَرُوا" على المثانى. إشارة المنهاج الثالثة للكتاب تأتى من مفاد التلاوة "آيَاتِي تُتْلَىٰ". فكانت الآيات الكريمة مكتملة الإشارة للمنهاج ومثاني فيه، ما يفيد الرباط بين مجموع الآيات ومناسبتها لبعضها البعض. منه تقف في المناسبة على أن المعاني متعلقة بعضها البعض بروابط لا شبهة فيها، "يوم" رابط بين الأولى والثانية، والكتاب والأعمال بين الثانية والثالثة، والجزاء في قوله تعالي: "يَخْسَرُ" وقوله: "يُدْخِلُهُمْ" رابط بين الأولى والرابعة، والطباق رابط بين الرابعة والخامسة. فتلك وحده سياقية منهاجية من البديع في النظم والترتيب والمناسبة مكتملة المعنى، يعتبر التكرار فيها داخليا أقل درجة في القطع من التكرار في نفس الآية. من هنا لا يعنى قوله تعالي: "نَسْتَنسِخُ" نسخ الصورة إنما الاستنساخ واقع بمعنى النسخ في الكتاب ومنهاجه، بمعنى آخر الرسالة في مجملها ما بين الرسالات، مدلول قوله تعالي: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا"، وقوله: "مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ". الفعل "نَسْتَنسِخُ" من المركب والتضعيف فيه مجاز يدل على متشابه إلى جانب دلالة التكرار ("تساؤلات المنهاج").
من حيث أن "نَسْتَنسِخُ" هنا فيها نفس معنى النسخ في آيتي البقرة والحج، نسخ الشمس للظل، فقد اكتملت الإشارة إلى المنهاج على مدار الذكر الحكيم بتكرار ثلاثي خارجي، وقد وقع النسخ فيه ومثانيه وما هو من المعجزات والأحكام متضمنة، وبالمعاني السابق تبيانها في العقيدة والشرعة والمنهاج، نسخ بمفهوم زمني بين الشرائع والنبوات لا في ذات القرآن كلام الله، تعالى الله عما يصفون. على أن الإحتمال قائم في تثنية النسخ أنها تشير إلى الشرعة والمنهاج، كما تشير بالاحتمال إلى مثاني المنهاج. الإحتمال الأرجح هو نسخ في الأولى للمعجزات والأحكام كما بينا مع اللفظ المفرد "آية"، وفي الثانية نسخ لتلاوة وأحكام ما قبل شرعنا دليله الإحكام المقترن في نفس الآية، تحتاج إلى تمحيص أكثر. والله أعلم.
النسخ في الثلاث آيات السابقة، البقرة والحج والجاثية، هو بمعنى مقام الشمس من الظل، أما معنى نقل الصورة كتابية أو غير كتابية فصريح في قول أحكم الحاكمين:
* وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ* (الأعراف: 154)
لا شبهة في اختلاف المعنى عن الأوليات. النسخة في الألواح هي المعنى الدارج للنسخ الكتابي والصوري، فخلط المفسرون بين المعنيين، لم يفطنوا إلى المتشابه فيها وقالوا بالنسخ الكتابي في "نَسْتَنسِخُ"، وليس كذلك مع الاختلاف في بناء اللفظ وتزايده وتضعيفه، القاعدة المعروفة عند اللغويين: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى. أهل اللغة لهم الباع الأكبر. والله أعلم.
ثانيا: في المركب الجدلى:
الزركشي في مصنفه "البرهان" عن أحوال تضعيف اللفظ:
< القسم الخامس عشر: الزيادة في بنية الكلمة. واعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني فإذا زيدت في الإلفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة.
ومنه قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ}، فهو أبلغ من [قادر] لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة لا يرد شيء عن اقتضاء قدرته ويسمى هذاوة المعني.
وكقوله تعالى: {وَاصْطَبِر} فإنه أبلغ من الأمر بالصبر من[أصبر].
وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} لأنه لما كانت السيئة ثقيلة وفيها تكلف زيد في لفظ فعلها.
وقوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا}، فإنه أبلغ من [يتصارخون].
وقوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا}، ولم يقل: [وكبوا]. قال الزمخشري: والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقى في جهنم [ينكب] كبة مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها اللهم أجرنا منها خير مستجار!
وقريب من هذا قول الخليل في قول العرب: صر الجندب وصرصر البازي كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة فقالوا: صر صريرا فمدوا وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا: صرصر.
ومنه الزيادة بالتشديد أيضا، فإن [ستارا] و [غفارا] أبلغ من [ساتر] و[غافر]، ولهذا قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً}. ومن هذا رجح بعضهم معنى [الرحمن] على معنى [الرحيم] لما فيه من زيادة البناء وهو الألف والنون وقد سبق في السادس.
ويقرب منه التضعيف - ويقال التكثير - وهو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع الفعل مرة بعد مرة. وشرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف وإنما جعله متعديا تضعيفه، ولهذا رد على الزمخشري في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} حيث جعل [نزلنا] هنا للتضعيف.
وقد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم قليلا نحو موت المال.
وجاء حيث لا يمكن فيه التكثير، كقوله تعالى: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّه}. {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً}. فإن قلت: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} مشكل على هذه القاعدة لأنه إذا كان [فعّل] للتكثير، فكيف جاء [قليلا] نعتا لمصدر [متّع] وهذا وصف كثير بقليل وإنه ممنوع. قلت: وصفت بالقلة من حيث صيرورته إلى نفاد ونقص وفناء.
واعلم أن زيادة المعنى في هذا القسم مقيد بنقل صيغة الرباعي غير موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة، فقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}، لا يدل على كثرة صدور الكلام منه لأنه غير منقول عن ثلاثي. وكذا قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} يدل على كثرة القراءة على هيئة التأني والتدبر.>
في المنهاج يعتبر التضعيف والتكرير تبعا من المجاز يلزمه التأويل. منه ما هو إعجاز علمي كما أشرنا من قبل مع "ثاقلتم" في مقالة "التثاقل والهدى ونيوتن"، فيها تثاقل بالوزن وتثاقل بالجاذبية الأرضية، أى تضعيف السبب مرتين على الكينونة لا ينفصمان. نحن نجري "التكرار" على أنه اللفظ مكررا في خارجه، أما "التكرير" فاللفظ مكررا في داخله ما هو التضعيف الذي تكلم عنه الزركشي.
الزركشي لم يقل في التفصيل الذي لا يكون إلا مع التأويل الذي يلزمه الدليل الذي لم يكن في زمانه. منه أن التكرير (التضعيف) في "يصطرخون" يختلف عن "استشهدوا" (وزن استفعل) يختلف عن "كبكبوا" يختلف عن "ترتيلا" وما مثلها. المراد على ما يستبين إما النقل لوزن أعلى من الفعل ولمرحلة أعلى من التفعيل مثل ما في الترتيل والتكليم، وإما تكرار الفعل دون نقل مثل ما في كبكبوا. النقل يكون في المفعول المطلق مثل قوله: "وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً"، فيه النقل من مجرد الترتيل إلى التجويد كما ذكرنا في مقالة أخرى. مثله قوله تعالى: "وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً"، نقل التفعيل إلى وسائط أعلى من الدنيوية، بخلاف الكلام في الأول الذي يعرفه أحياء الأرض. وقوله تعالي: "لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا" فيه النقل من مجرد العد الحسابي وعلم الحساب إلى الإحصاء كعلم مقترن في الآية، ذكرناه في مقام آخر. ما قصدوه هو من الزيادة في اللفظ التي يتبعها زيادة في المعنى أو توسعة فيه، وليس الأمر كذلك مع قوله الحق:
* يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * (ق: 30)
وقوله:
* لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * (ق: 35)
الزيادة في المعني هنا بلا زيادة في اللفظ كما بينا في "موضع آخر"، إنما ما يقبله من تأويل على علم. كرر فعل القول مرتين تثنية داخلية في نفس الآية مقترنة بالمزيد، فعنيت الزيادة في المعنى بلا زيادة في اللفظ، دليل المجاز فيها أن جهنم لا تتكلم. كررت "مَّزِيدٍ" مرة ثانية في نفس السورة والسياق إنما ما يتعلق بالجنة، التضاد في المثانى، أي ثنائية المضمون والشكل، الباطن والظاهر، المعنى واللفظ. الرابط بين الآيتين من الطباق.
الفعل "نَسْتَنسِخُ" ليس به نقل إنما التضعيف بالتكرير بدرجة مختلفة عما في "كبكبوا"، يختلف المراد حسب سياقه. دليل التكرير في الأخير في تراكب الفعل بذاته لا بدلالة غيره، مثل ما ذكره الزركشي عن الخليل في "صر" و"صرصر"، مطلق التكرير أكثر من مرة. دليل التضعيف بالتكرير الخارجي لا في ذات الفعل قوله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ"، وقوله: "فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً"، ذكرت "استشهدوا" مرتين بتكرار خارجي. ولو تتبعت وزن استفعل لوجدت أنه يجئ كدليل على المثانى والمنهاج، مثل دلالة المثانى الداخلية، يعنى في نفس الآية، في قوله تعالى: "اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ"، وقوله: "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ"، وقوله: "فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي". دلالة المنهاج داخلية في قوله تعالى: "حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ". مع تواتر هذا النمط من التراكب كانت الزيادة في المعنى تجئ من التكرار مرتين، لأن الدليل الثالث في المنهاج ليس أصلا تكراريا للمثاني، إنما مكمل له لتكتمل دلالة المنهاج واليقين فيه. وكما ذكرنا من قبل فإن تكرار المثانى يجئ في قطعيته مطابقا، والقطع أولى في التأويل. منه كان وزن "استفعل" تضعيف بالتكرير دليله خارجي مقيد بالتكرار مرتين، بخلاف التكرير المطلق في "كبكبوا" ومثله. ومنه أن فعل " َسْتَنسِخُ" يدل على تراكب من فعل مرتين، ننسخ وننسخ، ما ورد في الذكر الحكيم مثنى في آيتي البقرة والحج. بمعنى أن النسخ في الجاثية مركب النسخ في البقرة والحج. استدلال وتدليل في آن واحد.
حيث أن النسخ المقصود في سورة الحج هو لما يلقيه الشيطان على المثانى، فنظرنا في ذلك أنه يتعلق بالجدل الوضعي منذ عرف الناس الجدال والجدل، أشهر قديمه مع أرسطو، وأن السبع المثانى في الذكر الحكيم تنسخ هذه الوضعيات في كلياتها ككليات للوجود، أحكمها أحكم الحاكمين في منهاج الإسلام بإعجاز المجاز الذي عز على الأفهام. تكلمنا من قبل في موضوع "مدرسة الجدل بين الغزالى وهيجل" عن الإمام الغزالي رحمه الله ومكانته من "هيجل Hegel"، رحمه الله، هداه الله إلى الجدل ويعتبر مؤسسا للجدل الوضعي الحديث على ما عرف عنه منذ النهضة. قال الغزالي بالموضوع وضده والمركب منهما وإن لم ينص على أن ذلك جدل، وكأن مهمة هيجل كانت إضافة المسمى والتصنيف والتفصيل والتطبيق على المنطق والوعي والتاريخ، فلسفة هيجل. فيما قاله الغزالي: "وكل علم مطلوب فلا يمكن أن يستفاد إلا من علمين هما أصلان، ولا كل أصلين بل إذا وقع بينهما ازدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص. فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علماً ثالثاً وهو المطلوب". قال هيجل بنفس المقولة أساس الجدل الهيجلي، فقد جاء على لسان أحد الهيجليين: "وتسمى أضلاع المثلث في بعض الأحيان: القضية، والنقيض، والمركب على التوالي". قيل في المركب أنه صيرورة الجدل، وهنا في النسخ نسخان ومركب منهما تصير إلى نفس المقولة. فيه تفصيل على المثانى سنتناوله فيما بعد بإذنه العلى القدير وتوفيقه هو الأعلم.
ثالثا: في الخاص والعام.
يقول الخبير العليم:
* مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 105-6)
ويقول:
* وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * (آل عمران: 73-4)
من طيف الألوان ترى مدى ثراء الآيات الكريمة بالمنهاج الذي بحره أوسع من بحر الشرعة بوسع المتشابه من المحكم، بل هو محيط شطآنه وأعماقه عزيزة المنال، وما نحن فيه ما هو إلا قطرات الافتتاحية. تكرر قوله تعالى: "يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" مرتين إشارة للمثاني، وإشارة لثنائية العام والخاص من السبع المثانى في قوله تعالي: "يَخْتَصُّ"، ثم إشارة المنهاج الثلاثية ففي لفظ الجلالة، وفي الإتيان على الجذر، جيئت كلها في آية واحدة ما يفيد القطع بها. ذلك في الحكم بما أنزل الله دليله الإتباع في المبتدي، عليها تفصيل لا يسعه المقام. والله أعلم.
هنا إحكام لثنائية العام والخاص، جارية سارية في الشرعة والمنهاج سواء. الكلام فيها بحر متصل لا توفيه الأعمار. إن شئت كنت في الأصول ومنزلة الخاص من العام تقييدا، وإن شئت كنت في الاقتصاد والقطاعين العام والخاص، دور الدولة ودور المواطنين، وإن شئت في فقه الشريعة وإنزال الكليات على الجزئيات، وإن شئت في الأخلاق وتعاملاتها، وإن شئت في الاجتماعيات ونظيرتها ثنائية المجتمع والفرد، وإن شئت في التقنين ومسالكه، وإن شئت كما تشاء من فكر مستنير.
الدلالة الثالثة في خاص الثنائية على المنهاج قوله جل جلاله:
* وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * (الأنفال: 25)
"خَاصَّةً" بالإضافة إلى "يَخْتَصُّ" مرتين تفيد المنهاج. هي إشارة لجانب واحد من الثنائية في لفظ الخصوص على الجذر. منطقيا وأصوليا إن جاءت الإشارة بطرف منها ففي المسكوت عنه الطرف الثاني طباقا. لكنه قرآنه تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، يشير إلى الطرف الآخر في موضع آخر. أشار جلت حكمته إلى الطرف الآخر في ثنائية العام والخاص وهو العام في مجال الاقتصاد الذي هو باب من أبواب المنهاج الإثنى عشر، أشار إليه في موضعين، قوله أحكم الحاكمين:
* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * (الأنفال: 1)
معلوم في الفكر الإسلامي أن الأنفال والفيء كانت من أسس إنشاء "بيت المال" في الإسلام منذ عهد الصديق أبوبكر، رضى الله عنه، ثم كان متميزا من الناحية الإدارية كأحد أعمدة الدولة في إدارة شئونها في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، رضى الله عنه (للاستزادة موقع "الإسلام"). جاءت "الْأَنفَالِ" مثناه ما يعنى الإشارة للعام في ثنائية العام والخاص.
وأشار إلى العام في الفيء وقوله العليم الحكيم:
* وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ * (الحشر: 6)
وقوله:
* مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ * (الحشر: 7)
عرف الفيء في الأولى وأبان التصرف فيه في الثانية.
وقوله:
* يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَيْكَ * (الأحزاب: 50)
"َأَفَاءَ" ثلاث مرات مدعمة بالعموم في "مَّا" التي تثبت العموم في الثنائية. خص تعالى في اثنتين منها الحديث عن التصرف في أموال بيت المال، والمرة الثالثة في الشرعة، فكان العام مقصود مناطه المنهاج والشرعة، وكانت الثنائية مثله. والله أعلم.
رابعا: النسخ في الخاص لا العام:
عودة إلى النسخ في آية الحج والمراد فيها هو نسخ الوضعيات وشرع من قبلنا، ما يمليه الشيطان مجازا، فيما يخص ثنائية العام والخاص ضمنها الاقتصاد. أتى الإسلام بنظم وشرائع ومنهاج تنسخ ما قبلها مما دأب عليه الفكر البشرى وتطبيقاته في تصريف أمور معيشة الناس، ومنه الحرب الحديثة بين الرأسمالية والشيوعية والقطاعين العام والخاص اقتصاديا وسياسيا، باعتبار التأويل والانتظار وخاتمية الرسالة المحمدية بالمتشابه فيها، قلبه وباطنه المنهاج. تفصيل ذلك لا يسعه المقام، إلا أن يشاء العلى القدير تعقيبا أو تبيينا منهاجيا لما ذخر به الفكر الإسلامي في هذه المسألة، وما لم يتنبهوا إليه منهاجيا.
على أن النسخ الذي قالوا به المنسوخ فيه هو العام من الشرعة أو العقيدة، وقالوا أن المعمول به المقيد هو الناسخ. الشاطبي لم يعجبه كلامهم فقال:
<وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا. كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جئ به آخرا فالأول غير معمول به والثاني هو المعمول به.
وهذا المعنى جار في تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد. فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول. والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد. ولا بد من أمثلة تبين المراد فقد روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} إنه ناسخ لقوله تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها}، وعلى هذا التحقيق تقييد لمطلق إذا كان قوله: {نؤته منها} مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة وهو قوله في الأخرى: {لمن نريد} وإلا فهو إخبار والأخبار لا يدخلها النسخ. وقال في قوله: {والشعراء يتبعهم الغاوون} إلى قوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} هو منسوخ بقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} الآية. قال مكي وقد ذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء أنه قال منسوخ، قال وهو مجاز لا حقيقة، لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه بينه حرف الاستثناء أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول، والناسخ منفصل عن المنسوخ رافع لحكمه.>
لا تدري كيف يكون فرع بلا أصل؟ كيف يكون خاص بلا عام منسوخ؟ فإن نسخ العام لم يكن للخاص أصلا يرجع إليه مع تقلب الأزمنة وتبدل الفروع. كأنهم يقولون بنسخ أصول الشريعة التي هي كليات وعموم، وتبقى الفروع معلقة في الهواء بلا جذور ترويها فتموت بعد حين، ما لم يتفق معه الشاطبي إمام الأصول. من المعلوم بديهيا أن الخاص يلزمه عام يندرج تحته وإلا انتفت عنه صفة الخصوصية، والعام لا يكون عاما إلا باشتماله على خصوصيات، أحد الصفات الأساسية في السبع المثانى، لا ينفك الطرفان عن بعضهما البعض. فيكف يكون نسخ لطرف منها؟
لو تأملنا في آية النسخ والسياق لوجدنا ارتباط وثيق بين النسخ والخاص من جهة المناسبة وتعلق الأدلة ببعضها البعض، قوله أحكم الحاكمين:
* مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّـهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 105 -6)
من جهة أن الكلام متصل بالمناسبة في الوضع، فقد عنى بالنسخ أنه يقع في الخاص في ثنائية العام والخاص، ما بينه الشاطبي في أصوله "الموافقات"، وإن لم يعمد لهذا الدليل الذي نقف عليه من الذكر الحكيم وقال:
<لما تقرر أن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر/ اقتضى ذلك أن النسخ فيها قليل لا كثير، لأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا وإن أمكن عقلا. ويدل على ذلك الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شئ. بل إنما أتى بالمدينة ما يقويها ويحكمها ويحصنها، وإذا كان كذلك لم يثبت نسخ لكلي ألبتة. ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى، فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها والجزئيات المكية قليلة.>
معلوم في الأصول والمنطق أن الكليات هي العموم، وأن الجزئيات تشير إلى الخاص، يقابلها المطلق والمقيد. ومنه أن النسخ شرعة هو في الجزئيات والخاص مثل قبلة الصلاة مع من قبلنا ومثل الصلاة فيما ذكره الشاطبي، لا نسخ الكليات والعموم، ما يفيده التأويل والاستقراء المنهاجى. فإن كان مقصدهم نسخ الحكم فذلك عليه أهل الأصول، وإن كان التلاوة فقد أثبتنا ألا نسخ فيها إطلاقا. والله أعلم.
خامسا: النسخ تفريط في المنهاج:
مما قالوه أيضا أن الناسخ محكم والمنسوخ متشابه، في ذلك قال الشاطبي:
<وإلى هذا فإن الاستقراء يبين أن الجزئيات الفرعية التي وقع فيها الناسخ والمنسوخ بالنسبة إلى ما بقي محكما قليلة. ويقوى هذا في قول من جعل المنسوخ من المتشابه وغير المنسوخ من المحكم لقوله تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}>
ما هو التفريط في المنهاج في غالبيته. المثال بين أيدينا والأنفال. ذكر الشاطبي في معرض كلامه عن النسخ أنهم قالوا بأن قوله تبارك وتعالى:
* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ * (الأنفال: 41)
ناسخ لقوله:
* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * (الأنفال: 1)
لقد رأينا أن الأخيرة فيها تأسيس منهاجي لثنائية العام والخاص، فكيف بالنسخ فيها؟ فضلا عما قاله الشاطبي من أن الأولى بيان لمبهم في الثانية، ولا نسخ من هذه الجهة أيضا. لو تفحصنا كل ما قيل في المنسوخ ستجد معظمه من متشابه المنهاج وقد ضربنا أمثلة كلما كان المقتضى، فالتعطيل للمنهاج البائن حتى هذا الزمان.
يقولون إن القرآن لا ينسخه إلا القرآن، لا ريب في ذلك، لكنهم ينسخون آياته بتأويلاتهم. أحد كتاب النسخ في هذه الأيام قال:
<استغل أهل السنة والجماعة مسألة الناسخ والمنسوخ أسوء استغلال عبر التاريخ الإسلامي، خاصة أهل السياسة والحكم والقضاة والجهلة والمتعصبون من أهل الدين الإسلامي. الكل يأخذ بفكرة النسخ للتنصل من حكم الله تعالى وتعطيل أحكام آيات القرآن الكريم والاحتماء خلف حديث كاذب مفترى وضعوه بأيديهم وردّدوه بألسنتهم وأقلامهم حتى أصبح جزءا أصيلا من أديانهم الخاصة والتي وصفوها بالإسلامية ، أديانهم هذه تظلم دين الله عز وجل و تسيئ له بل تبدله من دين سماوي الى دين ارضي و صناعة بشرية ...والنسخ على أنواع ، فمنها :1- نسخ القرآن بالقرآن ، ومثاله نَسْخ قوله تعالى : {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} 219 البقرة ، فقد نسختها آية: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} 90 المائدة، وهذا النوع من النسخ جائز بالاتفاق.>
هل هناك أو في ذلك نص صريح قرآني على هذا النسخ، أن الله قال بأن هذه تنسخ تلك، أم أنه ناتج من التأويل؟ الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نسخ السنة بالسنة كما في حديثه عن زيارة القبور قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها"، رواه مسلم. نص صريح محكم لا يفتقر إلى تأويل أو لى اللسان. فهل في القرآن نص مثل هذا يقول بأن هذا الحكم منسوخ أو أن هذه الآية تحديدا منسوخة؟ ما علم منه في القرآن هو نسخ بين الشرائع ومنها النص على تغيير قبلة الصلاة الذي تناولناه من قبل، ليس نصا على نسخ في ذات القرآن كما يدعون.
مقالة الكاتب بها مسألة الخمر والميسر وأن بها نسخ، فلننظر في قوله تعالت حكمته:
* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * (البقرة: ٢١٩)
وقوله:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * (المائدة: ٩٠)
وقوله:
* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ * (المائدة: ٩١)
الروابط بينه بين الآيات الثلاث، والإشارة الثلاثية في المساحة المشتركة بين الشرعة والمنهاج. لو تمعنت في تفاصيل تفسيرها وتأويلها لتبين لك أن كل لفظ فيها له دلالته المنهاجية، خاصة في الآية الأولى التي قالوا عنها أنها منسوخة. فالميزان الرباني بين النفع والضرر داخل في المنهاج، وداخل في أصول الشرعة كما هو معلوم، تستقل منها الشرعة بالنتيجة وهي التحريم برباط مناط التحريم، وتستقل منها العقيدة بالصد عن ذكر الله والصلاة، وفي باب الأخلاق من المنهاج تقع العداوة والبغضاء. ففي الأولى والثالثة منهاج، وفي الثانية شرعة، وفي الثالثة من العقيدة والعبادات. فيها تفصيل لمن يهده الله ويمن عليه بعلم من فضله. منه أن ليس في كلام الله نسخا البته، تلاوة ودلالة، شكلا ومضمونا، ظاهرا وباطنا، تعالى عما يصفون. وأما النسخ في الأحكام ففي الخاص والجزئيات لا العام والكليات، أهل الأصول على علم بالمنهاج لهم القول الفصل.
ترى لمَ لمْ يكرر جل شأنه الأنصاب والأزلام مثلما كرر الخمر والميسر ثلاثا بالرغم مما يقولونه من نسخ؟ إن كانت الثانية ناسخة للأولى فما مقام الأنصاب والأزلام في النسخ؟ منهاجيا، ذلك للتدليل على المثانى بإثنين، والتدليل على المنهاج بثلاثية من الإثنين، ولأن الخمر والميسر مشترك الأحكام بين الثلاث آيات. مثله ما سبق من تكرار تكليف قبلة الصلاة للمفرد والجمع مع أن التكليف للرسول عليه الصلاة والسلام يكفي على المسلمين، ومثل ما سبق مع الحرج في الاضطرار والمشقة. من ثم كانت الآيات الثلاث مطلوبة في المنهاج بلا نسخ فيما بينها، جاز معه كمثال أن يكون في الأنصاب والأزلام صد عن سبيل الله مثل الخمر والميسر كحكم مشترك بين الثانية والثالثة، لأن الحكم مع الرابط سائغ في كل مناطاته، بلغة الأصول الاشتراك في علة الحكم أو دورانه مع العلة. الأولى والثالثة من المتشابهات، أما الثانية ففيها إحكام لغوى ما يجعلها محكم المنهاجية، وعلى هذا تجد ثلاثيات التدليل فيجئ إحداها محكما ومرجعيا في الاعتقاد، مثل الصد عن سبيل الله في هذه المنهاجية. العجيب في الأولى تضمين قوله: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ"، فليست المناسبة ببينة مع الخمر والميسر إلا أن يكون التدليل على متشابه المثانى داخليا في نفس الآية بتكرار لفظ "يسألونك"، فمتشابه التكرار، وفيها دليل ثان على المتشابه هو أن العفو لا ينفق، من المجاز. من ذلك كانت المنهاجية شاملة لحكم شرعي وتدليل اعتقادي ومنهاج الميزان بين النفع والضرر في الأصول، تبيينا للمساحة المشتركة بين الأقسام الثلاثة، الاعتقاد والشرعة والمنهاج. بهذه الفوائد وأكثر منها كيف يكون نسخ فيها؟ تعالى الله عما يصفون. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والحمد لله رب العالمين ذو الفضل العظيم، هو الهادي إلى صراطه المستقيم وبه نستعين.
-----------------------------
الإنشاء: MINHAGEAT.COM
مايو 2014
- 31 views
سنة الله فى الكون المثانى.
سنة الله فى الكون المثانى.
لو نظرت في العامل القاسم المشترك الأعظم في الكون والحياة لما وجدت سوى المثانى، في الجماد والأحياء سواء. فالكواكب السيارة والنجوم والشمس والقمر كل له فلك فيه يسبح بأمر ربه، وأن هذا الفلك لا يستقيم ولا يدوم إلا بتوازن بين قوتين، مثاني. فالقمر مثلا يدور حول الأرض بفعل التوازن بين القوة الطاردة المركزية والجاذبية الأرضية. الأرض نفس الشيء بالنسبة للشمس، مثلها كل الأجرام السماوية. لو جئنا للأحياء فالبينات لا تحصى، ولتسأل أصحاب الطب عن توازن الإنسان ليقف على قدمين بدلا من أربع، والجهاز العصبي للإنسان يتكون في الحقيقة من جهازين، إرادي ولا إرادي، مثنى أيضا. إن دققنا أكثر فتجد صحة الإنسان لا تستقيم إلا في توازن بين الوسط الحامضي والوسط القاعدي، مثنى. وقد خلق الله له أدوات الحركة الرئيسية مثاني، يدين ورجلين، وفي أدوات الإدراك الرئيسية مثاني، أذنين وعينين، ثم إنه جلت قدرته هداه النجدين، مثنى.
بل التوازن بين الأوكسيجين وثاني أكسيد الكربون في الإنتاج والاستهلاك من أهم العناصر في استدامة الحياة على الأرض، وكم من مؤتمر عقد لحماية البيئة للحفاظ على هذا التوازن، الإنسان يحتاج الأوكسيجين من النبات والنبات يحتاج ثاني أكسيد الكربون من الإنسان والحيوان، منفعة متبادلة يلزمها الحفاظ على كلا النوعين من الأحياء وإلا الفناء. لو نظرت في مبتكرات الإنسان لوجدتها مبنية على المثانى بطريقة ما، فالكهرباء موجب وسالب، من المثانى. بل الحاسوب (الكمبيوتر) وكل الرقميات Digitals مبنية على رقمين الصفر وواحد (0, 1) أو On و Off، ثنائية. وكل المخترعات في الميكانيكا تنبني على الكتلة الوضعية والجاذبية الأرضية، مثاني.
بل الجزاء في الآخرة إما جنة وإما النار، مثاني. ولو اطلعت على الإمام الشاطبي في موافقاته لدلك على أن الشرع مجراه الرئيسي المثانى، والعقيدة فيها الترغيب والترهيب. أما المنهاج فمبناه السبع المثانى. في الخلق ليس من تكاثر وتعاقب الأجيال إلا بالمثاني، الزوجان، وإلا النهاية، فمن رحمة الله بعباده أن حرم اللواط. هنا أيضا تجد سببا رئيسيا لم كان القرآن عظيم بالمثاني. في الذكر الحكيم دلائل كثر على الزوجين والمثاني.
قال الحكيم العليم:
* حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ* ﴿هود: ٤٠﴾
حفاظا على سنة الله في الحياة واضطرادها. وقال:
* وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * (الذاريات: 47 - 49)
محكم قاطع بات أن كل شيء في الكون خلق على المثانى. وقال:
* وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * ﴿الرعد: ٣﴾
في التوازن الذي لا يكون إلا بين طرفين، ثنائية، قال تبارك وتعالى:
* وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * ﴿الحجر: ١٩﴾
هنا متشابه علمي، فالإنبات للأفراد، قوله: “مِن كُلِّ شَيْءٍ“. أما أن تكون الأفراد موزونة فيلزمها زوجها بطريق ما. التأويل للإنبات جاز على الأرجح ليس استزراعا مثل ما في النبات، إنما الجعل والخلق وأنه تعالى بث فيها التوازن أو خلق منها زوجها، ينسحب على الجماد ومنه الأرض والرواسي المذكورة في الآية الكريمة. المعروف أن الرواسي في الأرض هي الجبال قال فيها العلماء أنها تحفظ “توازن” الأرض أن تميد، دليله من الإعجاز في الذكر الحكيم، ويعنى أن “مَّوْزُونٍ” تنسحب على الأرض نفسها كذلك. فلو دخلت في تركيب الذرات التى منها الصنع لكل موجود. جماد وأحياء، ستجد فيها توازنا بين الإلكترونات والنيوترونات يشبه نظام القمر والأرض أو الأرض والشمس. الإلكترونات السالبة تدور في أفلاك حول النواة التي بها النيوترونات والبوزوترونات الموجبة، أهل الصنعة لهم اليد.
ألم تر أن الخالق البارئ المصور قال:
* فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا * (فاطر: 43)
ثنى تعالى "سنت الله" في آيه واحدة، قاطع في متشابه المنهاج. أما التحدي في عدم التبديل أو التحويل الذي هو تبديل جزئى، فقد قلناه من قبل، أنه لو حدث لما كان هناك من بشر يرصد أو "يجد". تخيل لو انحرف فلك الأرض لكانت يوم القيامة. ليس فيه تخيل فقد قدر اسحق نيوتن عمر الحياة على الأرض بناءا على حسابات مسار الأرض حول الشمس وقال بنهاية العالم عام 2031م. الحسابات اختلفت الآن مع تقدم العلوم وأهل الفلك لهم قول آخر، لكنه في النهاية من غيب أنباء الآخرة في علم الله، وعلم الله في هذا الصدد ضمنه تحذيره من المساس بسنته جلت قدرته. فهل من ذى علم ليتعظ؟ نحمده جل في علاه أن استطعنا بفضله وهداه أن نقف على هذا النفير على قوم تكبروا على سنته بالعلم. والله أعلم.
أما سنة الله في كل الأمم والأقوام عند علماء الإسلام بمختلف مشاربهم فهى ركائز الدين الحنيف مع كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من توحيد ووعد ووعيد، دنيا وآخرة، فهى متسقة معهم جميعا، فيها الشرع وإن اختلفت التفاصيل بمقتضى الحال. قول الحق تبارك وتعالى:
* شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّـهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ * ﴿الشورى: ١٣﴾
أما أن المنهاج هو أيضا من سنته تعالى مع كل الرسل والأنبياء فقد تكلمنا فيها من قبل، وهنا دليل ثالث، قول الرؤوف الرحيم:
* سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا * ﴿الإسراء: ٧٧﴾
الدليل الثالث المطلوب للاستدلال في وعلى المنهاج ومن ثم المثانى. فكانت سنة الله التي لا تتحول تتضمن السنة في الكون بالخلق كما ذكرنا، المثانى والتوازن، وتتضمن التوحيد والشرعة والمنهاج، أوسع أبوابها. النفي في آية فاطر ب "لَن" قاطع وبات لأنه كما قلنا معناه الفناء وليس ممن "يجد" شيئا، أما هنا فالنفي ب "لا"، تعنى أنك لو بحثت في الشرائع وسنن الله مع الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، لا تجد تحويلا منذ آدم، عليه السلام، وهو دليل توحيد، فوحدة النسق من وحدة الخالق.
وسبحانه الخلاق العليم الذي طرح على الناس سؤال المثاني:
* فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * (الرحمن)
مدار السورة مثاني وتوازنات في سنته جلت قدرته وسؤال التكذيب ينصب على كل منها. إن خصص التساؤل فلزم النظر في كل تصنيف على حدة أسبابه وكيفيته، ظاهره وباطنه مستقلا، المشترك هو المثانى والميزان. قول الرحمن الرحيم:
* الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *
افتتح جلت قدرته السورة بصفاته، وبين تنزيله وخلقه في علم وعلى علم، ثم نبه على سنته في الميزان، ونبه الناس في نذير ونفير ألا يطغوا في الميزان، ميزان الكونيات والحياة وميزان الاستحقاق والحدود والفرائض، سنته في الكون وفي الشرع سواء. فيها تفصيل جم.
التوازن دليل الوحدانية:
الحمد لله رب العالمين الذي فطر السماوات والأرض والحياة على المثانى في توازنات لا تختل ولا تمل، بديع السماوات والأرض على نسق ونظام واحد، سخرها لخير البشر، ثم استوى على العرش (مجازا)، يدبر أمرها وفصولها بقدرة الخالق البارئ المصور القدير العليم الحكيم، برهان ساطع على أنه إله واحد أحد لا شريك له، في الخلق ابتداءاً وفي النسق وفي النظام وفي التدبير وفي المصير.
قال الواحد الأحد:
* لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّـهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * (الأنبياء: 22)
في التفسير والبرهان على وحدانية الله ضرب المتكلمون مثلا بالجسم الساكن وتنازع الآلهة إن لم تكن وحدانية فقالوا:
< لو افترضنا وجود إلهين قادرين على الفعل والترك أمكن التمانع بينهما بأن يريد أحدهما تحريك الجسم ويريد الآخر تسكينه، ويقصد كل منهما إلى تنفيذ مراده، فلا يخلو الأمر من وقوع أحد الاحتمالات الثلاثة الآتية:
الأول: تقدير حصول مراد كل منهما، وذلك محال، لما يلزم عليه من اجتماع الضدين.
الثاني: تقدير ارتفاع مراد كل منهما، وذلك محال أيضا لامتناع خلو الجسم من الحركة والسكون. ولو صح وقوع هذا التقدير لما استحق كل منهما أن يكون إلها لعجزه عن تنفيذ مراده.
الثالث: تقدير نفاذ مراد أحدهما دون الآخر، وحينئذ فالذي نفذ مراده هو الإله القدير دون غيره.>
منطوق الآية الكريمة على المثاني، مثني "فِيهِمَا" ولفظ الجلالة كرر مرتين مع الجمع "آلِهَةٌ". فالأولى برهانا في المثل الذي ضربوه أن يكون هناك توازن بين طرفين (ثنائية) من سنة الله في الكون بدلا من الجسم، لأن في التوازن الكوني قدرة الإله أكثر من الجسم، أكثر مما يطيقه البشر، مثل توازن الأرض في فلكها حول الشمس ضمن ما تعنيه الآية، قوله: "فِيهِمَا" الضمير يعود إلى السماوات والأرض. فالأولى بالمسألة ما كبر في الخلق والتدبير لإثبات الألوهية.
المسألة أن يكون هناك إلهين قادرين على إما الحفاظ على التوازن ومصيره بمراده، أو حرفه وتمييله إلى أحد الاتجاهين حسب إرادته. النظر العقيدي هنا هو الشرك.
الإحتمال الأول: كما قالوا فرض الإرادتين يمتنع باجتماع الضدين. هنا يمتنع أيضا لامتناع مصيرين في الواحد الذي هو التوازن، قوله تعالى: "وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ"، مراد الخالق وتدبيره. التوازن الكوني ليس فيه توازن السكون إن تساوى الإلهين في القدرة. إن تساوى فسد التوازن بانعدام المصير في الوجود، قوله: "لَفَسَدَتَا". من ثم لم يكن من تدبر مرجعه عدم اجتماع الضدين، لأنه لو اجتمعا انتفي التدبر والمصير بتساوي القدرة. فإن قال أهل العلم أن الجسم الساكن في توازن تام بين قوتين متساويتين، قلنا أن التوازن الكوني يختلف بما فيه من مصير، نعرفه مؤقتا بغلبة أحد القوتين على أخرى بنسبة ضئيلة جدا لا تكاد تذكر، بل إن من أدوات العلم ما لا يستطيع رصده اعتمادا على علم العصر، كأن تقع السماوات على الأرض مجازا والمذكور في القرآن لاضطراب في توازن الأرض على سبيل المثال، قوله جلت قدرته:
* أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * ﴿الحج: ٦٥﴾
فكان هذا الإبداع في الصنع والقدرة في تدبر المصير من رحمة الله بعباده. فيه تفصيل علمي مع قوله تعالى:
* وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * ﴿المائدة: ١٨﴾
وقوله:
* وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ * ﴿النور: ٤٢﴾
كرر الدليل مرتين مع فارق الحياة، ليبين أن سنة الله على المثانى لها مصير، تصير إليه بتدبيره وإحكامه ومشيئته. بمعنى آخر أن المصير يعتمد على المثانى تحته من حيث النوع والتركيب.
الوحدانية والتدبير والمصير في قوله اللطيف الخبير:
* وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * ﴿القصص: ٨٨﴾
الهلاك يكون إما بتعدد الآلهة إبتداءاً بلا مصير، وإما بالجور على المثانى والتوازنات في الكون، وإما بإرادة الله الكامنة في المصير. فيها من الكلاميات الكثير.
وفي قوله:
* وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * ﴿يس: ٣٨﴾
الشمس تجرى حالها مع الحياة، فإن استقرت كان الهلاك في الآية السابقة، المصير المقدر.
الثاني: الذي قال به المتكلمون قائم كبرهان عقلي. وهنا لأن الأمر خلا من المصير المتعلق بالقدرة. في نظرنا أن هذا الإحتمال لا لزوم له لأننا بإزاء النظر في القدرة لا العجز، لأن في القدرة ألوهية وفي عجز الإله الكفر ما يخرج عن النظر الأصلي وهو الشرك. الفرض ليس إلا سفسطة.
الثالث: هو التنازع على فرض السيطرة أو التحكم في التوازن. يمتنع غلبة أحدهما بميله إلى جانب ما لأن فيه الفناء، قوله تعالى: "لَفَسَدَتَا" كما في آية الأنبياء، ما لم يعتبره المتكلمون في منطقهم، فليس من فساد في حركة الجسم أو سكونه الذي ضربوا به المثل، وإن كان إثباتا للإرادة والقدرة.
وعليه فقد ثبتت الوحدانية والألوهية في إبداع الخلق وفي التدبر بالحفاظ على التوازن إلى مصيره، وامتناع اجتماع الضدين على مصير واحد، والفساد الناتج في أي الأحوال. من هنا كان التأويل على المثانى والتوازن، سنة الله في خلقه، أقرب وأبين لما جاء في الآية الكريمة.
نحن نعلم أن مثالنا فيه علم لم يتحصل في زمن المتكلمين. فكما قلنا ونقول أن لا ملام عليهم إن لم يتحقق دليل التأويل العلمي في عصرهم، وهم السباقون في العلم وحتى الطبيعي منه. فهم المتكلمون الذين قالوا بالاستشهاد على الغائب بالشاهد والذي أصبح فيما بعد ركن ركين في المنهج العلمي التجريبي لاستكناه المجهول والإجابة على سؤال الماهية ووضع النظريات. كان ذلك وما زال جليا في علوم مثل الكيمياء والفيزياء. الموضوع يطول شرحه. مقصدنا أن الدلائل الكامنة في الرسالة الخاتمة بثت فيها لكل العصور وإلا لم تكن خاتمة، منها ما هو في زمن الوحي وعليه أسباب التنزيل ومنها ما هو لعصر الفضاء كتناقص الأكسيجين كلما ارتفعنا في الفضاء دليله قوله: "كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ" الآية، سبق.
مع ذلك فهناك من الأمثلة في الذكر الحكيم التى تصلح كحجة في هذا المقام بلا أدلة علمية عصرية، مثل قوله تعالى:
* قَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّـهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ * (البقرة: 258)
هذا مثال كوني لا يطيقه البشر ولا بد له من إله خالق عالم مدبر وقادر بديع في صنعه، متقن في إحكامه، حكيم وعالم. ولا يلزم تحقق هذا الشرط مع الجسم الذي ضربوا به المثل. أن يأتي أحد الآلهة بالشمس من المغرب فيأتي بها الآخر من المشرق ليثبت ألوهيته وقدرته. لو تساويا في القدرة فسد النظام الكوني، لأن تعاقب الليل والنهار والمشرق والمغرب سببه وأساسه دوران الأرض حول نفسها. لو لم يكن لكانت الهلكة للأحياء على الأرض. حجة إبراهيم عليه السلام بحد ذاتها إعجاز علمي في الخلق والتدبر لم نتوفر على إجابة أو علم فيه بعد، لماذا تدور الأرض في هذا الاتجاه الكائن بدلا من الاتجاه العكسي حيث يصبح المغرب الكائن مشرقاً والمشرق مغرباً؟ أهل الفلك لهم القول الفصل.
واضح أن القدرة هنا غير القدرة على تحريك الجسم الساكن الذي لا يتبعه فساد بالضرورة، والذي كما قالوا فيه لو غلب أحدهما كان الإله القادر المدبر فإثبات الألوهية. لكن التوازن الكوني في مثالنا وعلى أى وجه كانت نتيجة التنازع بين إلهين أو أكثر ترتب عليه الفساد المذكور في آية الأنبياء وهو فساد السماوات والأرض، ما يفضي لا محالة إلى فناء أحياء الأرض. إن شئت قلت كان يوم القيامة تحت أي فرض كان، سواء تساوى في القدرة أو غلب أحدهما بقدر ما، فنفي للتعددية وإثبات الإله الواحد طالما كان هناك أحياء على الأرض.
ابن رشد يعتبر الفساد في التعددية:
القاضي والحكيم أبو الوليد ابن رشد، رحمه الله، في كتابه "مناهج الأدلة"، وبعد أن فند مزاعم المتكلمين المختلة في التدليل على وحدانية الله، ساق هذا المثال لتفسير آية الأنبياء:
< من المعلوم بنفسه أنه إذا كان ملكان كل واحد منهما فعله فعل صاحبه، أنه ليس يمكن أن يكون عن تدبيرهما مدينة واحدة. لأنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل واحد. فيجب ضرورة – إن فعلا معا – أن تفسد المدينة الواحدة، إلا أن يكون أحدهما يفعل ويبقى الآخر عطلا، وذلك منتف في صفة الآلهة. فإنه متى اجتمع فعلان من نوع واحد على محل واحد فسد المحل ضرورة.>
ارتفق بمعطيات الذكر الحكيم فوضع الفساد في الاعتبار. أيضا أبطل الفرض الثاني للمتكلمين لأنه لا يتناسب والألوهية، كما رتب المسببات على أسبابها بالتدبير، وإن غاب عنه المصير الذي يمكن اعتباره متضمنا. هو يعتمد على المماثلة التي تجلب الإحتمال ولا تقتضي الألوهية، بينما مثالنا مستقى من معطيات الذكر الحكيم مبنيا على سنة الله في الكون، وشرطه الإله القادر المدبر الحكيم العليم. أما المدينة فتدبيرها بشرى لا توفي بالمطلوب كاملا. يمكن القول بأنه لا اختلاف بيننا في منطق البرهان ولا منهج التفكير في التدليل بالذكر الحكيم والاستدلال العقلي والعلمي، فهو دائب الذكر للدليل النقلي والتمثيل بالعلم الطبيعي، لا ينفك لسانه عنهما، النقل والعقل.
يتميز عن غيره بأنه يضع الجمهور في الاعتبار لأن معرفة الخالق غير مقصورة على ذوى العلم. هو يتبع في ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم"، ليس من مفارقة للشرع كما فعل الكلاميون، وفي هذا مثاله فصيح، يفرق بين العلم الخاص والعلم العام. لم يلجأ إلى سفسطات المتكلمين، وهو المكين في منطق اليونان، في التدليل على الخالق ووحدانيتة في كتابه هذا "مناهج الأدلة"، إنما أمثلة مباشرة من الذكر الحكيم ضمنها الأجرام السماوية كما في مثالنا، لكنه لم يعمد إلى التوازن للفارق الزمنى في العلم. وكذب من افترى وقال عن بعده عن الشرع، فقد كان ابن رشد في مسألة الخالق ووحدانيته، وإن كنا لا نتفق معه تماما في مفهوم الاختراع، كان أقرب للشرع مرتفقا به أكثر من أى من المدارس الكلامية بمن فيهم الأشعرية والصوفية الذين غلب عليهم السفسطة يريدون أن يناطحوا الإغريق في جدلهم ومنطقهم، مع أو ضد. أما في الصفات فكانت له هفوات مثل الجميع، إما لفوات الدليل وإما لنقصه. الخطاب الديني للجمهور موضوع شائك ومسألة عويصة، فمن الذي يتولى في عصر التخلف والاختلاف والتشرذم؟
---------------------------
الدلالة على أن سنة الله في الكون هى المثانى والتوازن لا يحصرها كتاب، متكاثرة في الذكر الحكيم. من أكثرها برهانا وبيانا قول الأول والآخر جل ذكره:
* وَهُوَ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ* وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * (القصص: 70- 4)
ثنى جل شأنه السرمد مع الليل والنهار وثنى استنكاره لغيره إلها، دلالة على أن تحت النهار وحده أو الليل وحده لا تكون حياة، فجعل الليل سكنا لعباده والنهار لمعاشهم ولتستديم الحياة رحمة بهم، في ثنائية تشتمل التعاقب. تتضمن فيما تتضمن دوران الأرض وتوازنها في فلكها وإلا لما كان من تعاقب، الأسباب في عيونها. قرر في البداية أنه لا إله إلا هو وتساءل في النهاية هل له من شركاء يزعمون؟ كما كان التساؤل عن طرق الاستدلال في ذلك، الحواس البشرية من سمع وبصر. هذا إن لم يعقلوا بعقولهم، ولو فعلوا لما احتاجوا لهذا البرهان. فجعل البرهان متيسرا لكل البشر لما فيهم من إحساسات، ليست في احتياج إلى مناطقة ولا إلى متكلمين. وما أنصع وأفصح وأبين منه دليلا وأحكم برهانا على الوحدانية، يعقله الناس جميعا من به علم ومن ليس به، برهان مبسوط لكل ذى أذنين وعينين، ليس فيه تكلف ولا يحتاج فيه إلى سفسطة، من ثم ليس منبعا للاختلاف بين المتحذلقين ولا الجمهور في لغة ابن رشد. برهان يملأ حياتهم بالوحدانية ليل نهار، وليس من مكان للنفي أو الاستكبار. والله أعلم.
الآيات الكريمة على وجه آخر فيها إعجاز علمي، فلم جاء السمع مع الليل، والبصر مع النهار، وإن كان الأخير أقرب في التأويل. ووجه ثالث في قوله: "يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ"، جعل فيه السمع دليلا على عدم الضياء، ولم يقل "النور". مثله قوله تعالى: "تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"، ومعلوم أن سكنى الليل، الذي يعنى في المقام الأول النعاس، ليس فيها إبصار. فهذه آيات بينات فيها من البلاغة ما هو ذاخر بالعلم. والله أعلم.
الأمثلة التي سقناها من الذكر الحكيم تثبت أيضا الإبداع في الخلق مثلما تثبت القدرة في تدبر المصير الذي غاب عنهم في مثلهم وهو من صفات الألوهية. أمثلتنا تثبت أن الكون برمته والحياة في صميمها بهذا الذي نعيشه في نظام بديع متقن الإحكام، ونسق لا اختلاف ولا اختلال ولا فساد فيه على المثانى وفي توازنات لا تنقطع لا تميل ولا تمل، لا بد له من خالق ومدبر واحد.
سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض، هو الواحد الأحد الأعلم، لا شريك له، به التوفيق ومنه الهدى والرشاد، جل فضله.
--------------------------------------------------------
ابريل: 2013
- 25 views
علم المثانى.
علم المثانى.
* الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ﴿الملك: ٣﴾
وقوله الحق:
* أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّـهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * ﴿نوح: ١٥﴾
ضمن هذا الخضم من المثانى يندرج الجدل والجدال أشيرت لهما بأمثلة متعددة تفرق بينهما وتبين صفاتهما، فليست كل المثانى تحتها جدل أو جدال، ما يحضرنا منها فى المقام هو أن الجدال حالة خاصة من الجدل. من ذلك قول العليم الحكيم:
* وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا * (71)
* وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا * (73)
التقابل مرتان، فى "كَفَرُوا" مع "اتَّقَوْا رَبَّهُمْ"، وفى "جَهَنَّمَ" معها "الْجَنَّةِ"، إصطحبه تثنية "وَسِيقَ الَّذِينَ" و"إِلَىٰ" و"زُمَرًا"، إسم السورة.
يتبع ذلك التقسيم إلى طبقات أولا، ثم إلى نوعيات تبعا لما إذا كان بين عنصرى (طرفى) الثنائية جدلا من عدمه، وما إذا كان بينهما تلازما كما ذكرنا من قبل، وتبعا لصفة العلاقة بين العنصرين من تضاد أو تناقض أو تكامل أو تقابل وما شابه، وتبعا لما إذا كانت التثنية من الطبيعيات أم من مدركات الحس أو العقل، وما إذا كانت من الأخلاقيات أو السلوكيات أو المعنويات، فضلا عن البنيانية داخل السبع المثانى. البحر متسع والله المستعان، ولكل مجتهد نصيب، أخطأ أو أصاب، بإذن الله تعالى الهادى إلى صراطه المستقيم.
هنا يصدق أكثر ما يصدق حديث خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام من أن القرآن لا يشبع منه العلماء فضلا عن أن تنقضى عجائبه:
".. كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا أصحهما على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.." (الترمذى: باب ما جاء في فضل القرآن 2906).
* وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ﴿البقرة: ٢٣﴾
* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ﴿يونس: ٣٨﴾
والله أعلم، هو الهادى إلى سواء الصراط، منه التوفيق والرشاد.
- 6 views