قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "درء تعارض النقل والعقل":
< والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين، في دلائله وفي مسائله، نفيا وإثباتا. فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى:
* كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً۬ وَٲحِدَةً۬ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَـٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٲطٍ۬ مُّسۡتَقِيمٍ * (البقرة: 213)
وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف.>
هدف كتابه كما في عنوانه ألا تعارض بين العقل والنقل، مازالت أرضا خصبة للمعارك الفكرية بين الفرق الإسلامية. شبه المجمع عليه عند أهل السنة والجماعة تقديم العقل على النقل. في ذلك قالوا لو تقدم النقل على العقل لكان قدحا في النقل لأنه لا يعرف إلا بالعقل. لكن ابن تيمية في كتابه هذا قال أن الأمر ليس بإطلاق. حجته هي أن النقل ليس بحاجة للعقل لإثبات إن كان حقا من عدمه لأنه حق في ذاته، اعتقد فيه الناس بعقولهم أم لا. في كتابنا "اشراق المنهاج"، اتفقنا معه في هذه المسألة، ثم حددنا أن ذلك في الشرع، ما جاء في النص قاطعا، فالنقل مقدم على العقل، وما عداه يعود للقاعدة الأصلية وهى أصل من أصول الدين، تقديم العقل على النقل. فيها تفصيل حتى نضع المسببات على أسبابها، لأن هذا القطع من جهة لا يعرف إلا من طريق العقل إن كان من تدبر، ومن جهة ثانية من طريق العقل الإقرار به والإيمان بالمشرع به على ما هو ظاهراً وباطناً، إنما المقصود التسليم والكف عن التأويل، مناط العقل. قول الراسخين في العلم: "ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ۬ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ"، جاءت مع احتمال إسناد العلم بالمتشابه لله وحده مع واو الابتداء، الظاهر على ما هو عليه بلا تأويل من حيث أنه إيمان. ومن حيث إن الأصل هو تقديم العقل فلزم النظر في المتشابه، عندها تقديم العقل واجب مثبت وجوبه في النقل. يندرج في هذه المسألة العلوم الكونية وتأويلات الإعجاز العلمي وعلوم الآخرين، نقصد ما ليس من النقل. ففيها العقل مقدم للحكم بين سائر الأمم بما جاء في الكتاب الكريم والأحاديث الشريفة، ما قال به شيخ الإسلام بانيا على معطيات الذكر الحكيم، وفي ذلك مقالتنا.
مما قاله القاضي الحكيم ابو الوليد ابن رشد، رحمه الله، في هذه المسألة في كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال":
< ونحن نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجربه، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول.
بل نقول: إنه ما من منطوق به في الشرع، مخالف بظاهره لما أدى إليه البرهان إلا إذا أعتبر وتصفحت سائر أجزائه، وجد في ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل، أو يقارب أن يشهد، ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل، واختلفوا في المأول منها من غير المأول، فالأشعريون، مثلا، يتأولون آية الاستواء، وحديث النزول، والحنابلة تحمل ذلك على ظاهره>
زاوية ابن رشد هى الاستدلال أما زاوية ابن تيمية فهى البرهان والإثبات. أنت بحاجة للعقل للاستدلال ولو كان المستدل عليه مقطوعا به، وفي ذلك ابن رشد، بتقديم العقل على النقل، لا مراء في ذلك لأنه مطلب التدبر. والنقل أو الشرع، كتابا وسنة، ليس بحاجة إلى العقل لإثبات أنه حق من حيث إنه إيمان، تطلب في الاستدلال التأويل أو لا، أخطأت في استدلالك أو لا، آمن الناس به أم لم، وفي ذلك ابن تيمية ومعتقد كل المسلمين، تقديم النقل على العقل. فليس ثمة خلاف بين العالمين، وإن قاسى الإسلام من جراء اختلاف المسلمين على هذه المسألة. اللبس والخلاف يجئ باعتبار من لا يؤمن، في الحجاج والبرهان والجدل مع المخالفين للشرع، الدحض لحجج الآخر، الهم الأول للمتكلمين مع القول في الذات الإلهية. لكن الآية انقلبت فارتد الخلاف على الإسلام. لم تجن كثير ثمرة في جانب الخصوم، وعاد الكلام معركة بين المسلمين بينما اساس المعركة مع الآخر، ضمنها الحكم بين سائر الأمم بالكتاب، مقالة ابن تيمية. في هذه الحالة من الحجاج، قبل الأخر، أنت تحتاج إلى العقل لإثبات أن الشرع هو الحق، ولا ترى من يخالف أو يكابر في ذلك أيضا. حتى الخصوم يعلمون أننا نعتقد فيه الحق بديهيا وإلا لما كان إيمان واعتقاد. لكن أيما توجهت لا تعدم خلافا منشؤه الخلط بين المناطات الثلاثة، الاستدلال والبرهان والحجاج. وعلى جل الصفحات المبينة سيقال لك من لا يعتقد في أن الشرع حق في ذاته - سواء قدمت العقل أو النقل - فهو كافر بالضرورة. دلائل الشرع في كل ذلك بينة لا شبهة فيها ولا مكابرة.
يقول الحكيم العليم:
* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * (السجدة: 3)
كرر قوله: "الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ" في غير موضع، وفي صيغة أخرى قوله: "مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ"، أنه حق في ذاته من حيث الإيمان بالظاهر بتقديم النقل، ومن حيث الاستدلال بتقديم العقل لتكشف ما به من حق، في ذلك ابن رشد، ومن حيث البرهان بتقديم العقل ليبرهن على أنه الحق، وللحكم به بين سائر الأمم، في ذلك ابن تيمية، تشكك فيه الناس بالعقل أم لا، آمنوا به بالعقل أم لا. بالحق فيه النذير والحجاج مع الآخر لعلهم يهتدون. قدم النقل في أنه حق بذاته، وقدم العقل في النذير والدعوة إلى الدين الحق، الحجاج مع الآخر. والله أعلم.
----------------------
تحفظ: لنا تحفظ على مقالة الحكيم ابن رشد، رحمه الله، لا يغير شيئاً مما سطرناه، بيناه في كتاب "إشراق المنهاج". قوله: " كل ما أدى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي." يعنى أن "مطلب التأويل"، السبب أو الدليل الذي يستوجب به التأويل هو مخالفة ظاهر الشرع للبرهان، وهذا المطلب خارجي عن الشرع، فهو يجعل العقل حاكماً على التأويل منفتحاً على الأهواء، ما يمثل الأرضية التي عليها اختلفت الفرق المعنية بالتأويل. نحن نقول بأن مطلب التأويل أورده الشارع جلت حكمته في آل عمران (7) على أنه المتشابه، مطلب نقلى، ليس بخارج عن النقل. الحاكم هنا هو الشارع نفسه، جل ذكره. فإن كان من متشابه استوجب ذلك التأويل، متفق عليه في شتى المذاهب والمشارب. أما ما هو هذا المتشابه فقد اختلفت عليه الفرق، بيناه بفضل الله على أصوله في كتاب "إشراق المنهاج" وفي مقالات "تساؤلات المنهاج" على هذه المدونة، نلخصه في المجاز اللغوي والتكراري كما أوضحنا هناك.
التحفظ المذكور في المدخلات، له جانب آخر في المخرجات، ما يؤول إليه صرف الظاهر عن وضعه بدليل. كلام ابن رشد يوحى بأن منتج التأويل يلزم أن يكون مطابقاً للبرهان، لأن الاختلاف بينهما يعود بالمسألة لنقطة الصفر. وكأن البرهان يفرض على النقل ما يجب أن ينتجه من معان ومفاهيم، وإلا التعارض بين العقل والنقل. يذكر أن فيلون السكندري مشى على نفس الدرب في القول بالتأويل الرمزي (الهلامي)، الذي يساعده كي يبرهن على أن التوراة مطابقة للفلسفة اليونانية أو تتضمنها، أي لا تعارض بين العقل والنقل. فنقول بأنه لا يلزم أن يطابق ما آل إليه التأويل ما يؤدى إليه البرهان، لأن القرآن ومتشابهه بوجه خاص يحمل في طياته ومكنوناته ما لم يخطر على بال بشر، فكيف تحصل منهم على برهان ما لا يعلمونه؟ قال العليم الحكيم: "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" (الإسراء: 85)، وقال: "أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ" (البقرة: 87). أما أن تكون المسألة معكوسة بمعنى أن كل تأويل صائب فهو قابل للبرهان على صحته، فهذا معقول لا شبهة فيه، لكنه لا يفهم من كلام ابن رشد، لأنه وضع البرهان كمطلب للتأويل فسابق عليه. ليس في هذا التحفظ تعارض بين العقل والنقل، إنما وضع كل في مقامه. فيه تقديم العقل على النقل في الاستدلال على مطلب التأويل، والتأويل بالضرورة، وتقديم النقل على العقل لأن به ما يستدل عليه من وضع الشارع، الحق المبين. وعلى الله قصد السبيل.
--------------------------
الإنشاء: [Minhageat.com]
مايو 2017
- Printer-friendly version
- Log in or register to post comments
- 573 views












Такой вид отделки мебели…
DavidRem
Микроскоп позволяет увидеть…
RogerDok
Уже уже давно мечтаете…
MarioLaf